إسرائيل تحاول تحييد تركيا في سوريا من دون حرب مفتوحة
كثفت إسرائيل الغارات الجوية على سوريا خلال الليلة قبل الماضية وأعلنت أن الهجمات هي تحذير للحكام الإسلاميين الجدد في دمشق كما اتهمت أنقرة بمحاولة فرض وصايتها على دمشق، ما يوحي بأن إسرائيل تعمل على تحييد تركيا في سوريا، لكن كيف يمكن أن تفعل ذلك من دون حرب مفتوحة، في حين أن الأتراك يستمرون في تنفيذ إستراتيجية وضع اليد على سوريا.
وتقوم إستراتيجية إسرائيل الراهنة في سوريا على استهداف مفتوح للقواعد الكبرى السابقة، مثل قاعدتيْ حماة وحمص، واستهداف موقع قرب العاصمة دمشق، بحجة أن هذه المواقع والأسلحة التي تحويها تقع في يد مقاتلي تنظيم القاعدة السابقين، أي مسلحي هيئة تحرير الشام التي تسيطر على الحكم في دمشق.
وتعمل إسرائيل، التي تتخوف من سيطرة أنقرة على دمشق، على تحقيق أهدافها في سوريا منذ الإطاحة ببشار الأسد. واستولت على أراض في جنوب غرب البلاد وأعلنت استعدادها لحماية الأقلية الدرزية وضغطت على واشنطن كي تبقي سوريا دولة ضعيفة وفجرت الكثير من الأسلحة والعتاد العسكري السوري الثقيل في الأيام التي تلت سقوط الأسد.
استهداف مفتوح للقواعد العسكرية السورية والأسلحة التي توجد فيها، بحجة أنها تقع في يد مقاتلي تنظيم القاعدة السابقين
ويأتي التصعيد الإسرائيلي ضد القواعد العسكرية السورية بعد تقارير تفيد بأن تركيا بدأت جهودًا للسيطرة على قاعدة تي فور الجوية في سوريا، وتخطط لنشر أنظمة دفاع جوي هناك، وأنها بدأت بالفعل التخطيط لأعمال البناء في هذا الموقع الإستراتيجي.
ويعرف الإسرائيليون أن الأتراك إذا تمركزوا في قاعدة تي فور، وغيرها من المواقع العسكرية السورية، فلن ينسحبوا منها. كما أن استهداف الوجود التركي بشكل مباشر عن طريق القصف قد يفجر أزمة حادة بين تل أبيب وأنقرة. ولا يمكن قياس رد تركيا بردود إيران السابقة بعد القصف الإسرائيلي، فتركيا عضو رئيسي في حلف الأطلسي والهجوم عليها لن يمر كما كان يحصل مع إيران حين استسلمت للضربات الإسرائيلية في سوريا.
كما أن تركيا، التي تزايد نفوذها العسكري الخارجي، من الصعب أن تتراجع تحت وقع التهديد الإسرائيلي بقصف القواعد، في وقت يتضاعف فيه حرج إسرائيل بسبب موقف إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب المتصالح مع أنقرة على عكس الضوء الأخضر الذي تحصل عليه تل أبيب لاستهداف إيران وأذرعها في المنطقة.
وفي مارس الماضي ذكرت مصادر في وزارة الدفاع التركية أن أنقرة تواصل دراسة إنشاء قاعدة في سوريا بناء على طلب دمشق، بغرض تدريب الجيش السوري بما يتماشى مع متطلبات الحكومة الجديدة هناك.
وقال الجيش الإسرائيلي الخميس إنه ضرب ما تبقى من قدرات عسكرية في القاعدتين الجويتين بمحافظتي حماة وحمص، بالإضافة إلى ما تبقى من بنية تحتية عسكرية في منطقة دمشق حيث قالت وسائل إعلام ومسؤولون سوريون إن محيط منشأة للأبحاث العلمية تعرض للقصف.
وفي حماة قال مصدر عسكري سوري إن أكثر من 10 هجمات دمرت مدارج الطائرات وبرج المراقبة ومستودعات الأسلحة وحظائر الطائرات في المطار العسكري. وتابع المصدر قائلا “دمرت إسرائيل قاعدة حماة الجوية بالكامل لضمان عدم استخدامها. هذا قصف ممنهج لتدمير القدرات العسكرية للقواعد الجوية الرئيسية في البلاد.”
ولا يخفي الإسرائيليون قلقهم من التمدد التركي في سوريا، وهو ما عكسته تصريحات أدلى بها مسؤولون إسرائيليون بارزون مثل وزير الدفاع يسرائيل كاتس الذي قال الخميس إن الغارات الجوية “رسالة واضحة وتحذير للمستقبل، لن نسمح بالمساس بأمن دولة إسرائيل.”
وذكر كاتس في بيان أن القوات المسلحة الإسرائيلية ستبقى في المناطق العازلة داخل سوريا وستتحرك ضد ما يهدد أمنها، محذرا الحكومة السورية من أنها ستدفع ثمنا باهظا إذا سمحت لقوات معادية لإسرائيل بالدخول.
وما يعكس مخاوف إسرائيلية من النفوذ التركي في سوريا اتهام وزير الخارجية جدعون ساعر أنقرة بلعب “دور سلبي” هناك وفي لبنان ومناطق أخرى.
وقال خلال مؤتمر صحفي في باريس “إنهم يبذلون قصارى جهدهم لفرض وصاية تركيا على سوريا. من الواضح أن هذه هي نيتهم.”
وحسب صحيفة “جيروزاليم بوست” العبرية الخاصة قال مسؤول أمني إسرائيلي “إذا تم إنشاء قاعدة جوية تركية في سوريا، فسيؤدي ذلك إلى تقويض حرية العمليات الإسرائيلية،” معتبرًا أن هذا يمثل “تهديدًا محتملا” تعارضه إسرائيل.
وأضاف المسؤول أن الإسرائيليين قصفوا قاعدة تي 4 الجوية (في ريف حمص) لإيصال رسالة مفادها أنهم لن يسمحوا بعرقلة الهجمات الجوية في سوريا.
وذكر تقرير الصحيفة أن المسؤولين السياسيين والأمنيين في إسرائيل عقدوا اجتماعات أمنية بسبب “احتمال إنشاء تركيا قواعد عسكرية في سوريا.”
وهاجم عضو لجنة العلاقات الخارجية والدفاع في الكنيست الإسرائيلي أوهاد طال تركيا في منشور عبر حسابه على منصة إكس، قائلا “تركيا دولة عدوّ. يجب إغلاق السفارة التركية فورًا.”
وبوتيرة شبه يومية تشن إسرائيل منذ أشهر غارات جوية على سوريا، ما يؤدي إلى مقتل مدنيين، وتدمير مواقع عسكرية وآليات وذخائر للجيش السوري.
وذكر أفيخاي أدرعي المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي على منصة إكس أنه خلال ساعات الليلة قبل الماضية “عملت قوات من اللواء 474 (الجولان) في منطقة تسيل في جنوب سوريا حيث صادرت وسائل قتالية ودمرت بنى تحتية إرهابية.”
وأضاف “خلال النشاط أطلق عدد من المسلحين النار نحو قواتنا العاملة في المنطقة لتقوم القوات باستهدافهم والقضاء على عدد من الإرهابيين المسلحين في استهداف بري وجوي. لقد استكملت القوات المهمة دون وقوع إصابات في صفوفها.”
وقال “وجود أسلحة في جنوب سوريا يشكل تهديدا لدولة إسرائيل. جيش الدفاع لن يسمح بوجود تهديد عسكري في سوريا وسيتحرك ضده.”