اخبار الإقليم والعالم
مسيّرات صينية وتركية تعيد تشكيل موازين القوة في شرق ليبيا
يعكس ظهور طائرات مسيّرة صينية وتركية في شرق ليبيا تحولاً نوعياً في مسار الصراع، حيث يتجه الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر إلى تعزيز قدراتها الجوية بشكل يتجاوز حدود التوازن الهش الذي فرضه وقف إطلاق النار منذ عام 2020.
وكشف تقرير نشرته رويترز مدعوم بصور أقمار صناعية وجود ثلاث طائرات مسيرة على الأقل في قاعدة الخادم الجوية، الواقعة في الصحراء على بُعد نحو 100 كيلومتر إلى الشرق من مدينة بنغازي، وذلك بين أواخر أبريل وديسمبر. ولم تتحدث تقارير عن وصولها سابقا.
وبحسب ثلاثة خبراء في الأسلحة راجعوا الصور، كانت معدات تحكم أرضية بالطائرات على ما يبدو لا تزال ظاهرة هذا العام.
ولا تشير الوقائع الجديدة فقط إلى إدخال معدات جديدة، بل إلى مسار متكامل لإعادة بناء القوة العسكرية للجيش الوطني الليبي، في بيئة دولية تبدو فيها القيود المفروضة على التسليح أكثر هشاشة من أي وقت مضى، ما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من إعادة تشكيل موازين القوة.
ولا يمكن فصل هذا التطور عن البنية الجغرافية والعسكرية لشرق ليبيا، حيث تم رصد هذه الطائرات في قاعدة الخادم الجوية، التي تحولت خلال السنوات الماضية إلى أحد أهم مراكز العمليات العسكرية في معسكر الشرق. فوجود ثلاث طائرات مسيّرة على الأقل، إلى جانب معدات تحكم أرضية ظاهرة في صور حديثة، يشير إلى أن الأمر لا يتعلق بمجرد شحنات عابرة، بل ببنية تشغيلية قائمة أو قيد التفعيل، وهو ما يعزز فرضية الانتقال من مرحلة الامتلاك إلى مرحلة الاستخدام الفعلي.
ويرى الخبير الليبي أنس القماطي أن وصول هذه المسيّرات يمثل “انتصاراً رمزياً كبيراً” لحفتر، ليس فقط من الناحية العسكرية، بل أيضاً على مستوى ترسيخ السيطرة على الشرق وأجزاء واسعة من الجنوب، بما في ذلك مناطق غنية بالنفط.
ويعكس هذا التوصيف البعد السياسي للتفوق العسكري، حيث تتحول القدرات الجوية إلى أداة لتعزيز النفوذ في أي مفاوضات مستقبلية لتوحيد السلطة، خاصة في ظل الانقسام المستمر بين الشرق والغرب، حيث تقود الحكومة في طرابلس برئاسة عبد الحميد الدبيبة المشهد السياسي في الغرب.
لا يمكن قراءة هذه التطورات باعتبارها مجرد خرق تقني لحظر السلاح، بل بوصفها مؤشراً على مرحلة جديدة من إعادة تشكيل موازين القوة في ليبيا.
كما يضيف القماطي بعداً إقليمياً مهماً، مشيراً إلى إمكانية استخدام هذه الطائرات لحماية خطوط إمداد عابرة للحدود، وهو ما يربط المشهد الليبي بتوازنات أوسع في الجوار، لا سيما في السودان، حيث تتداخل المصالح الأمنية والعسكرية.
ويعكس هذا الامتداد الإقليمي أن ليبيا لم تعد ساحة صراع داخلي فحسب، بل جزء من شبكة نزاعات مترابطة تستخدم فيها أدوات عسكرية متقدمة لتحقيق أهداف تتجاوز الحدود الوطنية.
غير أن هذا التعزيز العسكري يثير تساؤلات جوهرية حول القدرة التشغيلية. فالقماطي نفسه يلفت إلى أن قوات حفتر لا تُعرف بامتلاكها الخبرة التقنية اللازمة لتشغيل هذا النوع من المسيّرات، ليبقى السؤال المفتوح: من يديرها فعلياً؟ هذا السؤال يعيد إلى الواجهة نمط “الحرب بالوكالة”، حيث تلعب الأطراف الخارجية دوراً مباشراً أو غير مباشر في تشغيل المنظومات العسكرية المتقدمة.
ويتقاطع هذا الطرح مع تقديرات خبراء عسكريين راجعوا صور الأقمار الصناعية، من بينهم فيم زفايننبرغ وجيريمي بيني وجوزيف ديمبسي، الذين رجحوا أن تكون إحدى الطائرات من طراز “فيلونغ-1” الصينية، بينما تبدو الأخريان أقرب إلى طائرات “بيرقدار تي بي2” التركية.
ولا يقتصر هذا التحديد التقني على توصيف نوع السلاح، بل يعكس مستوى متقدماً من التكنولوجيا العسكرية التي تتطلب بنية تشغيلية معقدة، ما يعزز فرضية وجود دعم خارجي.
ويذهب محللون إلى أبعد من ذلك، مشيراً إلى أن خصائص الطائرة المرصودة، رغم تشابهها الجزئي مع طراز “وينغ لونغ”، ترجح أنها “فيلونغ-1”، وهو نموذج متطور يجمع بين مهام الاستطلاع والهجوم. كما أن رصد معدات تحكم أرضية وأنظمة اتصالات متقدمة بالقرب من مواقع الطائرات يعزز الانطباع بأن هذه المنظومات تعمل ضمن شبكة متكاملة، وليس بشكل منفصل أو محدود.
وتكتسب فرضية الدعم الخارجي وزناً إضافياً مع ما أشارت إليه المحللة جاستينا جودزاوسكا، التي أكدت أن حفتر سعى لسنوات للحصول على طائرات مسيّرة صينية، مستشهدة بمحاولات سابقة لتهريب معدات عسكرية إلى شرق ليبيا منذ عام 2019. كما أن حادثة مصادرة شحنة من قطع غيار مسيّرات في إيطاليا عام 2024، والتي تبين لاحقاً أنها تتطابق مع أجزاء من طائرات “فيلونغ-1”، تعكس وجود مسارات غير رسمية لتدفق هذا النوع من التكنولوجيا، رغم الحظر الدولي.
ويكشف هذا السياق التاريخي أن ما يحدث اليوم ليس تطوراً مفاجئاً، بل نتيجة تراكم طويل من محاولات بناء قوة جوية قائمة على الطائرات المسيّرة، خاصة بعد تراجع هذا النوع من القدرات لدى قوات حفتر منذ عام 2020، عندما غادرت طائرات “وينغ لونغ 2” قاعدة الخادم.
القدرات الجوية أداة لتعزيز النفوذ في أي مفاوضات مستقبلية لتوحيد السلطة، خاصة في ظل الانقسام المستمر بين الشرق والغرب.
وبالتالي، فإن إدخال المسيّرات الجديدة يمثل محاولة لاستعادة هذا التفوق، أو على الأقل إعادة التوازن مع الطرف الآخر.
وعلى المستوى الدولي، يسلط هذا التطور الضوء على محدودية فعالية الحظر الذي تفرضه الأمم المتحدة منذ عام 2011. فرغم وجود آليات رقابة ولجنة خبراء، فإن استمرار تدفق الأسلحة المتطورة إلى ليبيا يعكس فجوة واضحة بين القرارات الأممية والواقع الميداني.
كما أن عدم وضوح الجهة التي قامت بتوريد هذه المسيّرات، وغياب أي تأكيد بشأن الحصول على استثناءات رسمية، يفتح الباب أمام احتمال وجود تفاهمات غير معلنة، أو على الأقل تساهل في تطبيق القيود.
وفي هذا الإطار، يمكن قراءة هذه التطورات ضمن سياق أوسع من إعادة التموضع الإقليمي، حيث لم تعد الاصطفافات حادة كما كانت خلال سنوات الحرب. فإدخال مسيّرات تركية الصنع إلى جانب الصينية يحمل دلالة سياسية لافتة، خاصة في ظل التحسن النسبي في العلاقات بين أنقرة ومعسكر الشرق.
ويعكس هذا التحول براغماتية متزايدة في سياسات تركيا، التي تسعى إلى حماية مصالحها الاقتصادية والطاقة في ليبيا، حتى لو تطلب ذلك الانفتاح على أطراف كانت تُعد سابقاً خصوماً.
ويعكس هذا التداخل في مصادر التسليح مشهداً أكثر تعقيداً، حيث تتقاطع المصالح بدلاً من الاصطفافات الثنائية التقليدية. فليبيا لم تعد مجرد ساحة صراع بين معسكرين، بل فضاء مفتوح لتوازنات متعددة، تستخدم فيه القوى الإقليمية والدولية أدوات مختلفة، من بينها الطائرات المسيّرة، لتعزيز نفوذها دون الانخراط في مواجهة مباشرة.
ولا يمكن قراءة هذه التطورات باعتبارها مجرد خرق تقني لحظر السلاح، بل بوصفها مؤشراً على مرحلة جديدة من إعادة تشكيل موازين القوة في ليبيا. فتعزيز القدرات الجوية لحفتر، مدعوماً بقراءات الخبراء والمعطيات الميدانية، يمنحه تفوقاً نسبياً يعزز موقعه السياسي والعسكري، لكنه في الوقت ذاته يعمّق اعتماد الصراع على الفاعلين الخارجيين.
وبينما تبدو الجبهات هادئة نسبياً منذ وقف إطلاق النار، فإن إدخال تكنولوجيا عسكرية متقدمة مثل المسيّرات يعكس استعداداً ضمنياً لاحتمالات التصعيد، أو على الأقل استخدام القوة كأداة ضغط في المفاوضات.
وهكذا، تبقى ليبيا عالقة في معادلة “الهدنة المسلحة”، حيث يستمر التسلح بصمت، وتُعاد صياغة موازين القوة بعيداً عن الأضواء، في انتظار لحظة قد تعيد تفجير الصراع أو فرض تسوية جديدة بشروط مختلفة.