باب المندب.. تحذير هادي الذي تجاهله العالم
مدين مقباس
قبل أكثر من عشر سنوات، وبالتحديد في يونيو 2015م أطلق الرئيس الراحل عبدربه منصور هادي تحذيرًا واضحًا...
لا يحتاج نظام الملالي إلى الحرب لأنه قوي، بل لأنه يخشى ما قد يحدث عندما تصمت المدافع.
فحين تهدأ الجبهات الخارجية، يعود السؤال الذي حاول النظام الإيراني تأجيله لعقود: ماذا بقي في الداخل؟ اقتصاد يواجه العقوبات والاستنزاف، عملة تتعرض للضغط، مجتمع يزداد إنهاكاً، وشباب يسألون عن مستقبلهم، بينما تُنفق موارد ضخمة على الصواريخ والطائرات المسيّرة وشبكات النفوذ والميليشيات خارج الحدود.
من هنا يمكن فهم التصعيد في الخليج والمنطقة باعتباره أكثر من خيار عسكري أو ورقة تفاوضية. إنه، في جانب منه، جزء من آلية سياسية وأمنية لحماية النظام من استحقاقات الداخل.
الحرب كوسيلة لإعادة ترتيب الأولويات
عندما يعاني المجتمع من ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية والبطالة وتآكل الثقة بالمؤسسات، يصبح من الصعب على السلطة أن تشرح أسباب الأزمة من دون أن تتحمل مسؤوليتها.
وهنا يأتي «العدو الخارجي».
فالحرب تسمح بإعادة تعريف الأولويات: من الخبز إلى الأمن، ومن الاقتصاد إلى الجبهة، ومن المطالب الاجتماعية إلى «المؤامرة الخارجية». وكلما ارتفع مستوى التوتر، أصبح من الأسهل على السلطة توسيع الإجراءات الأمنية، وتقييد المجال السياسي والإعلامي، وتحويل الاعتراض على الأداء الاقتصادي إلى قضية أمن قومي.
وبذلك تتحول الأزمة الخارجية إلى وسيلة لإدارة الأزمة الداخلية.
لكن هذه المعادلة لا تعني أن كل تصعيد إيراني هدفه حصراً البقاء الداخلي؛ فطهران تمتلك حسابات استراتيجية حقيقية تتعلق بالنفوذ والردع والمفاوضات. غير أن بقاء التوتر يخدم في الوقت نفسه توازنات داخلية مهمة للنظام.
الخليج… ورقة الضغط الأكثر حساسية
يمثل الخليج بالنسبة إلى إيران مساحة استراتيجية لا يمكن فصلها عن الاقتصاد العالمي.
مضيق هرمز، وحركة ناقلات النفط، وأسعار الطاقة، وسلاسل الإمداد والتأمين، كلها عناصر تمنح طهران قدرة على رفع كلفة أي ضغط دولي عليها.
ولهذا فإن التهديد بالملاحة أو الاقتراب من استهدافها لا يستهدف دولة بعينها فقط، بل يحمل رسالة إلى الاقتصاد العالمي بأكمله: إذا حوصرنا، فلن تبقى كلفة الحصار داخل حدود إيران.
وهذه إحدى أخطر أدوات الضغط الإيرانية، لأنها تحول أزمة سياسية بين دولتين إلى أزمة اقتصادية عابرة للحدود.
لكن المشكلة أن استخدام الخليج كساحة ضغط يحمل مخاطرة استراتيجية كبيرة. فكلما ارتفعت المخاطر على الملاحة والطاقة، ازدادت قدرة الدول الإقليمية والدولية على تشكيل تحالفات أمنية جديدة ضد إيران، وتراجعت مساحة المناورة أمام طهران.
لماذا تحتاج طهران إلى الميليشيات؟
الذراع الثانية لهذه الاستراتيجية هي شبكة الوكلاء.
الميليشيات تمنح إيران قدرة على العمل خارج حدودها، وتسمح بتوزيع الضغط على أكثر من جبهة في الوقت نفسه، مع الحفاظ أحياناً على مساحة من الإنكار السياسي.
وهنا تكمن الخطورة الأكبر: عندما يصبح قرار التصعيد موزعاً بين دول وجماعات مسلحة مرتبطة بمركز إقليمي واحد، فإن أي حادث صغير يمكن أن يتحول إلى أزمة واسعة.
كما أن الميليشيات لا تؤدي وظيفة خارجية فقط؛ فهي جزء من منظومة النفوذ التي تجعل المؤسسة الأمنية والعسكرية أكثر حضوراً في القرار السياسي والاقتصادي.
الحرس الثوري… المستفيد من استمرار التوتر
كلما طال الصراع، ازدادت أهمية المؤسسات التي تمتلك أدوات القوة الصلبة.
ومن هنا يمكن فهم الدور المركزي للحرس الثوري في بنية النظام. فاستمرار التهديد الخارجي يمنح المؤسسة العسكرية والأمنية مبررات إضافية لتوسيع نفوذها، ويجعل الإنفاق الدفاعي أكثر قابلية للتبرير، ويضع المؤسسات المدنية أمام أولوية دائمة عنوانها «الأمن».
ولهذا فإن السلام، بالنسبة لبعض مراكز القوة داخل النظام، ليس مجرد توقف للقتال؛ بل تغيير في ميزان النفوذ داخل الدولة نفسها.
فحين تهدأ الجبهات، تبدأ الأسئلة المتعلقة بالاقتصاد والإدارة والفساد والحريات والعلاقات الخارجية بالعودة إلى الواجهة.
لكن سياسة إبقاء الخليج مشتعلاً قد تنقلب على أصحابها
المشكلة أن هذه الاستراتيجية تحمل تناقضها الداخلي.
فالحرب التي تستخدم لحماية النظام من أزماته قد تصبح سبباً في تعميقها.
كل تصعيد جديد يعني مزيداً من العقوبات، ومزيداً من الضغوط الاقتصادية، وتراجعاً أكبر في ثقة المستثمرين، وتكاليف إضافية على التجارة والطاقة، فضلاً عن دفع الدول العربية إلى تعزيز قدراتها الدفاعية وبناء ترتيبات أمنية أكثر صلابة.
أي أن النظام الذي يحاول استخدام الصراع لتخفيف الضغط الداخلي قد يجد نفسه أمام دائرة استنزاف مغلقة: تصعيد يؤدي إلى عقوبات، والعقوبات تعمق الأزمة الاقتصادية، والأزمة الاقتصادية تزيد الاحتقان الاجتماعي، والاحتقان يدفع السلطة إلى مزيد من التشدد الأمني والتصعيد الخارجي.
ما المطلوب؟
الخروج من هذه الدائرة لا يكون بحرب شاملة يدفع ثمنها الإيرانيون والعرب معاً، ولا بسياسة مسايرة تمنح النظام فرصة لإعادة بناء أدواته.
المطلوب هو ضغط منظم يستهدف أدوات النفوذ لا الشعوب، وتجفيف قنوات تمويل وتسليح الميليشيات، وتعزيز أمن الملاحة، ودعم الدولة الوطنية في الدول التي تحولت إلى ساحات نفوذ، بالتوازي مع فتح مسارات سياسية تمنع الانزلاق إلى حرب إقليمية شاملة.
وفي الداخل الإيراني، يبقى العامل الأهم هو المجتمع نفسه وحقه في حياة سياسية واقتصادية أكثر حرية واستقراراً.
فالمشكلة ليست في أن إيران دولة قوية تريد حماية مصالحها؛ المشكلة عندما يصبح استمرار الأزمة شرطاً لاستمرار منظومة الحكم.
ولهذا فإن السؤال الأكثر أهمية ليس: لماذا تطلق طهران الصواريخ؟
بل: ماذا سيحدث للنظام عندما تتوقف الصواريخ، ويعود صوت المجتمع الإيراني إلى الواجهة؟
هناك، تحديداً، تبدأ المعركة التي يخشاها أي نظام يعتمد على إبقاء الخارج مشتعلاً حتى لا يضطر إلى مواجهة الداخل.