هذا حال غزة اليوم بعد توقف القتال دون انتهاء الحرب
تتواصل الحرب في غزة، وتتكثف المناقشات حول عواقبها ولا تركز على مجرد تحدي إعادة الإعمار، بل على مسألة الحكم الحاسمة. وظهرت رؤى متنافسة لمستقبل غزة بينما يظل وقف إطلاق النار الهش غير مستقر.
واجتمع قادة دول الخليج خلال 21 فبراير في الرياض لإجراء محادثات رفيعة المستوى مع نظيريهم المصري والأردني لصياغة رد على اقتراح الرئيس الأميركي دونالد ترامب المثير للجدل والداعي إلى إعادة بناء غزة تحت الإدارة الأميركية وتهجير سكانها الفلسطينيين.
وانتهى الاجتماع، الذي شكّل تمهيدا للقمة العربية المقبلة المقررة في القاهرة في 4 مارس المقبل، دون إصدار بيان رسمي، مخلفا بذلك حالة من عدم اليقين بشأن التوصل إلى موقف عربي موحد، والخيارات التي قد تكون مطروحة على الطاولة، ومدى قابلية أي بديل للتطبيق.
◙ من المرجح أن تظل غزة منطقة مقسمة وغير مستقرة، في غياب نهج موحد يعالج مشكلة مصالح الفاعلين المتضاربة
وذكر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أن الحرب في غزة كانت سبب نزوح ما لا يقل عن 90 في المئة من سكان القطاع البالغ عددهم 2.1 مليون نسمة. وحدد التقييم المرحلي السريع للأضرار والاحتياجات في فبراير 2025، الذي اشتركت في إعداده الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والبنك الدولي، أن أكثر من 292 ألف منزل تعرضت للأضرار أو الهدم، وأن 95 في المئة من المستشفيات لا تعمل، وأن الاقتصاد المحلي انكمش بنسبة 83 في المئة. ومسّت الخسائر الكارثية قطاع الزراعة، حيث تضررت مساحات هائلة من الأراضي، وتراجعت أعداد الماشية، وانهار إنتاج الغذاء المحلي.
ولا يزال وقف إطلاق النار غير ثابت رغم فترات الهدوء المتقطعة. وتواصل حركة حماس إطلاق سراح الرهائن عبر مجموعات صغيرة حسب سلسلة من الاتفاقات الهشة، ولم تتمكن بعد من ضمان اتفاق دائم. ومن المقرر انتهاء وقف إطلاق النار الحالي في الأول من مارس.
ويرى الدكتور جون كالابريس، أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة الأميركية بواشنطن، في تقرير نشره موقع “مودرن بوليسي” أنه إذا تعثرت المفاوضات فستصبح أهمية صياغة إطار عمل قابل للتطبيق لمرحلة ما بعد الحرب في غزة أكبر بشكل غير مسبوق.
أربعة نماذج حكم متنافسة
تبرز أربعة نماذج حكم متنافسة في نقاشات ما بعد الحرب. ويحمل كل واحد منها رؤية مختلفة لمستقبل غزة:
* إضعاف حكم حماس: تتراجع قوة حماس بعد 17 عاما في السلطة، وتتحول إلى وحدات متفرقة تخوض حرب عصابات. وتواجه الحركة انخفاضا كبيرا في الدعم الشعبي، حيث أكد المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية تقهقره من 64 في المئة خلال يونيو 2024 إلى 39 في المئة خلال سبتمبر. لكن القضاء التام على حماس ليس محتوما رغم كل هذا.
ويرفض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، المتعهد بتدمير حماس، أي احتمال لعودتها. كما أعلن المانحون الدوليون أن أموال إعادة الإعمار لن تتدفق إلا إذا انسحبت حماس لصالح قيادة فلسطينية أخرى.
*إعادة الاحتلال الإسرائيلي: تدعو بعض الأصوات داخل إسرائيل إلى إعادة احتلال غزة، وإعادة فرض السيطرة العسكرية المباشرة على القطاع. لكن هذا النموذج يحمل مخاطر خاصة.
وأبرز استطلاع مركز بيو للأبحاث في شهر مايو الماضي أن 40 في المئة من الإسرائيليين يريدون أن تحكم إسرائيل غزة. لكن هذا النهج يهدد بإثارة مقاومة شديدة، وإدانة دولية، مع تقويض العلاقات مع الفاعلين الإقليميين الرئيسيين مثل مصر والأردن. كما تنقسم الآراء داخل إسرائيل حول ما إذا كان الحكم العسكري سيستمر على المدى الطويل أم سيمهد الطريق لسلام دائم.
* الانتداب الدولي: تنص بعض المقترحات على انخراط الأمم المتحدة في غزة والضفة الغربية، حتى أن جامعة الدول العربية دعت خلال مايو الماضي إلى نشر قوات حفظ سلام تابعة للأمم المتحدة.
ويتصور سيناريو فلسطين تحت وصاية الأمم المتحدة تفويضا دوليا يمكنه فرض الاستقرار المؤقت في المنطقة إلى حين بلوغ حل سياسي يكون أكثر ديمومة. لكن الترتيبات اللوجستية ليست بسيطة، وتخشى الكثير من الدول التورط في تحمل أعبائه المالية والأمنية. كما يزيد حضور حماس المستمر من تعقيد هذا النهج.
* السلطة الفلسطينية بعد الإصلاحات: تشمل البدائل التي طرحت للنقاش على نطاق واسع إعادة إخضاع غزة للسلطة الفلسطينية التي تحكم الضفة الغربية حاليا. ويسعى هذا النموذج إلى توحيد الحكم الفلسطيني في إطار واحد. ومع ذلك تواجه السلطة الفلسطينية عقبات كبيرة، بما في ذلك اتهامات واسعة النطاق بالفساد، وافتقارها إلى شعبية كبيرة بين سكان غزة، وشكوك المسؤولين الإسرائيليين في قدرتها على الحفاظ على الأمن. ورغم هذه التحديات ترى بعض الدول العربية، مثل المملكة العربية السعودية ومصر، في السلطة الفلسطينية التي أعيد تنشيطها قوة استقرار محتملة تناسب إستراتيجياتها الإقليمية الأوسع.
وتصور هذه النماذج الأربعة مجتمعة نطاقا واسعا من المقترحات التي يجري النظر فيها. وهي تسلط الضوء على التفاعل المركّب بين الانقسامات الداخلية والضغوط الخارجية، بما يبرز التحدي الهائل المتمثل في إنشاء إطار حكم موحد وفعال في مرحلة ما بعد الحرب في غزة.
الديناميكيات
من أجل فهم أفضل للمستقبل لا بد من دراسة الضغوط الخارجية الصادرة عن القوى الإقليمية والعالمية إضافة إلى الانقسامات الداخلية العميقة داخل القيادة الفلسطينية.
وتبرز هذه الديناميكيات المترابطة مع سعي الدول العربية الرئيسية (المملكة العربية السعودية ومصر والأردن والإمارات العربية المتحدة) إلى التموقع إستراتيجيا للتأثير على مستقبل غزة في مواجهة المشهد السياسي الفلسطيني المتشرذم.
ويضع هذا التفاعل المركب بين القوى الداخلية والخارجية أساس الدور المهم الذي تلعبه سياسة الولايات المتحدة، وخاصة النهج المثير للجدل الذي يدعو إليه ترامب.
وتشمل نقاط الخلاف الرئيسية في هذه المناقشات الرؤية المثيرة للجدل التي اقترحها ترامب. وتدعو خطته إلى تهجير سكان غزة قسرا لفرض سيطرة أميركية على القطاع.
ولاقى اقتراحه معارضة قوية من الدول العربية وقسم كبير من المجتمع الدولي. ويؤيد حوالي 70 في المئة من الإسرائيليين اقتراح ترامب، لكن القادة الإقليميين الرئيسيين، بمن في ذلك العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني ووزير الخارجية المصري بدر عبدالعاطي، رفضوه رفضا تاما.
وكان نهج إدارة ترامب سببا في تزايد الانقسامات الإقليمية، وشكّل تحولا كبيرا في سياسة الولايات المتحدة، ما يعكس استعدادا أكبر لتأييد الحلول العسكرية مقارنة بالإدارات السابقة.
وتسلط الإجراءات الأخيرة، مثل تسليم الأسلحة الثقيلة إلى إسرائيل، الضوء على هذا التحول وتضيف المزيد من التعقيد إلى المشهد الدبلوماسي.
وقد أعرب كل من الرئيس ترامب ووزير الخارجية ماركو روبيو عن دعمهما لمواصلة الحرب في غزة، حتى في الوقت الذي تهدف فيه الجهود الدبلوماسية المستمرة إلى تأمين وقف دائم لإطلاق النار.
ومع تصادم هذه الرؤى المتنافسة برزت مصر لاعبا رئيسيا يهدف إلى رسم مسار يتناقض مع نهج ترامب. وتقود الجهود بين الدول العربية إلى تطوير هيكل حكم بديل في غزة. وهي تعمل على صياغة اقتراح لإعادة بناء غزة مع إبقاء سكانها الفلسطينيين، في معارضة مباشرة لخطة ترامب لإخلاء القطاع. وتختلف الخطة المصرية عن نموذج ترامب، حيث تؤكد على بقاء السكان الفلسطينيين في غزة، ما يبرز الرؤى الخارجية المتضاربة التي ستشكل مستقبل المنطقة بعد الحرب.
ويتمثل أحد الجوانب الرئيسية للاقتراح المصري في استبعاد حماس من أنشطة الحكم وإعادة الإعمار. وتقترح الخطة تشكيل هيئة مؤقتة (تتألف من تكنوقراط وقادة مجتمعيين غير منتسبين إلى حماس) للإشراف على عملية إعادة البناء.
◙ الرئيس ترامب ووزير الخارجية ماركو روبيو أعربوا عن دعمهما لمواصلة الحرب في غزة حتى في الوقت الذي تهدف فيه الجهود الدبلوماسية المستمرة إلى تأمين وقف دائم لإطلاق النار
وعلى الرغم من أن حماس أشارت إلى أنها قد تتراجع إداريا في مرحلة ما بعد الحرب، وذلك تماشيا مع الجهود التي تدعمها الولايات المتحدة لتمديد وقف إطلاق النار، إلا أن رفضها لنزع سلاحها لا يزال يشكل عقبة رئيسية أمام أي ترتيب يهدف إلى تهميش الجماعة، ما يثير تساؤلات حول ما إذا كان بوسع حماس والأحزاب الإسرائيلية الاتفاق في نهاية المطاف على مثل هذا الإطار.
ويواجه الاقتراح المصري قدرا كبيرا من الشك، إذ أنه مثقل بأوجه القصور في المبادرات السابقة مثل آلية إعادة إعمار غزة لعام 2014.
وتحولت آلية إعادة إعمار غزة، التي صممتها الأمم المتحدة لتخفيف المخاوف الإسرائيلية بشأن استخدام حماس للموارد في بناء الأنفاق، إلى مشروع بيروقراطي يعاني من نقص التمويل وغير ناجع في النهاية، وتعرقله سلطة الفيتو الإسرائيلية.
ويلقي هذا الفشل في الماضي بظلاله على الخطط الحالية، ما يسلط الضوء على العقبات الكبيرة التي تعترض إعادة إعمار غزة في مرحلة ما بعد الصراع. والأهم من ذلك أن الخطة تتجنب معالجة قضية أساسية، حيث تعارض إسرائيل أي بنية بعد الحرب تؤدي إلى حل الدولتين، في حين يصر الفلسطينيون والدول العربية على إنشاء دولة فلسطينية مستقلة.
وتظل مسألة الحكم معقدة حتى بعيدا عن الاعتبارات المالية. ويمثل اقتراح مصر إنشاء لجنة تكنوقراط تتألف من خبراء مسؤولين عن الإشراف على إعادة إعمار غزة، أحد الحلول الممكنة. لكن هذا الاقتراح لاقى انتقادات أيضا. ومن نقاط الخلاف الرئيسية مسألة موافقة السلطة الفلسطينية، التي يُنظر إليها غالبا على أنها فاسدة وغير فعالة،على خطة تقلل من دورها ونفوذها.
ولا يزال مستقبل غزة بعد الحرب غير مؤكد، ويتأثر بمقترحات الحكم المتضاربة، والصراعات السياسية التي لم يمكن حلها، والعقبات المالية والأمنية الكبيرة. وسواء أصبحت غزة تحت حكم حماس المتراجعة، أم وقعت مجددا تحت الاحتلال الإسرائيلي، أو الانتداب الدولي، أو السلطة الفلسطينية المعادة هيكلتها، فإن غياب الاتفاق يبقي الطريق مليئا بالتحديات. وتسلط الاحتياجات المالية الهائلة، إلى جانب الشكوك المستمرة بشأن الحكم والأمن، الضوء على حجم المهمة المطروحة.
وستكون الأشهر المقبلة حاسمة، فمن المتوقع أن تتزايد الحاجة الملحة إلى وضع إطار عملي لما بعد الحرب مع اقتراب وقف إطلاق النار من نهايته واكتساب المبادرات الدبلوماسية زخما. لكن كل جانب من المعادلة، من التخطيط المالي إلى ترتيبات الحكم والأمن، لا يزال غير مؤكد.
ومن المرجح أن تظل غزة منطقة مقسمة وغير مستقرة، وعالقة باستمرار بين التأثيرات الخارجية والتوترات الداخلية في غياب نهج موحد يعالج المصالح المتضاربة للأطراف الإسرائيلية والعربية والفلسطينية.
وفي نهاية الأمر يعكس الجدل الدائر حول حكم غزة في مرحلة ما بعد الحرب تحديات إقليمية أكبر تتعلق بالسلطة والشرعية واحتمالات إقامة الدولة الفلسطينية. وسيحدد مصير أي نموذج مقترح لضمان الاستقرار على المدى الطويل مستقبل غزة، كما سيخلّف آثارا بعيدة المدى على الشرق الأوسط الكبير.