فرنسا تسعى لإطلالة جنوبية على البحر المتوسط من خلال شرق ليبيا
تعكس زيارة قائد الجيش الليبي المشير خليفة حفتر إلى باريس واستقباله من قبل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في قصر الإليزيه، تطورا مهما في السياسة الفرنسية تجاه شمال أفريقيا وخاصة في ليبيا التي انكفأت عنها منذ دخول الروس على الخط في حرب طرابلس قبل نحو خمس سنوات.
وينظر محللون إلى زيارة حفتر إلى باريس على أنها تعكس رغبة فرنسا في تثبيت وجودها في شرق ليبيا الذي يعتبر نقطة وصل حيوية على البحر المتوسط، رغم الصعوبات التي قد تواجهها مع تزايد النفوذ الروسي في المنطقة، لاسيما أن ذلك يتزامن مع تواتر الحديث عن منح حفتر قاعدة عسكرية لروسيا في مدينة طبرق الساحلية عبر اتفاقية لتطوير القاعدة مع بيلاروسيا تم توقيعها قبل أيام.
وكانت وسائل إعلام ليبية، من بينها منصة “ليبيا اليوم 24” المحلية الناطقة بالإنجليزية، قد أفادت نقلا عن مصادر مطلعة بأن “السبب الرئيسي وغير المعلن في زيارة المشير حفتر إلى بيلاروسيا، هو عقد اجتماعات مغلقة مع مسؤولين من روسيا بعضهم قيادات عسكرية، وأن حفتر لم يذهب إلى موسكو مباشرة حتى لا يستفز الإدارة الأميركية الجديدة التي طالبته مرارا بعدم السماح لروسيا بتوسيع نفوذها في شرق ليبيا، والامتناع فورا عن تهيئة الوضع هناك لإقامة أي قواعد عسكرية.”
ويرى المحللون أن فرنسا تنظر إلى منطقة شرق ليبيا وسرت، الواقعة أيضا تحت سيطرة حفتر، كبوابة مهمة لحماية مصالحها الأمنية والاقتصادية، خاصة في ظل التهديدات المتزايدة من الهجرة غير النظامية والتحديات الأمنية المرتبطة بالإرهاب ومنطقة الساحل.
◙ فرنسا تنظر إلى شرق ليبيا وسرت الواقعة أيضا تحت سيطرة حفتر كبوابة مهمة لحماية مصالحها الأمنية والاقتصادية
ويؤكدون أن وجود فرنسا الآن في هذه المنطقة يمنحها فرصة لموازنة النفوذيْن التركي والروسي المتزايدين في ليبيا، كما تتيح لها الشراكة مع حفتر الوصول إلى موانئ إستراتيجية يمكن أن تلعب دورا مهما في تأمين إمدادات النفط والغاز إلى أوروبا، خاصة في خضم أزمة الطاقة العالمية. ولا تنظر باريس بعين الرضا لتعاظم النفوذ الروسي في ليبيا، وتحديدا في الشرق والجنوب الواقعين تحت سيطرة الجيش بقيادة حفتر.
وأظهرت فرنسا مبكرا دعمها لقائد الجيش الليبي، وساندته بخبراء عسكريين خلال معارك تحرير بنغازي ودرنة من المجموعات المتطرفة الموالية للقاعدة وتنظيم داعش، قبل دخول روسيا ومجموعة فاغنر على الخط أثناء حرب طرابلس. واستقبل إيمانويل ماكرون الأربعاء خليفة حفتر بقصر الإليزيه، في زيارة مفاجئة لم تعلن عنها باريس.
وبحث حفتر وماكرون “تطورات العملية السياسية في ليبيا، وأهمية دعم جهود بعثة الأمم المتحدة،” وفق ما أعلنته القيادة العسكرية للمسؤول الليبي في بيان نشرته مساء الأربعاء على فيسبوك وأُرفق بصورة للرجلين وهما يتصافحان. وأضاف البيان أن الرئيس الفرنسي أكد على “الدور المحوري” للمشير حفتر “في العملية السياسية” في ليبيا.
وتسعى فرنسا لاستعادة قاعدة الويغ العسكرية الواقعة أقصى الجنوب الليبي والتي اضطرت إلى الانسحاب منها مع تزايد النفوذ الروسي في ليبيا وتشاد ومالي والنيجر. وبحسب تسريبات من الوفد المرافق لحفتر تم التطرق إليها خلال اللقاء.
وقبل نحو سنتين وتحديدا في سبتمبر 2022 تحدثت وسائل إعلام محلية عن وصول مجموعة من العسكريين الفرنسيين إلى قاعدة الويغ العسكرية بهدف معاينتها وإعادة تأهيلها وإدخالها إلى الخدمة مجددًا، وهو ما يبدو أنه لم يتم أو تم ولم يستمر طويلا بسبب الروس.
◙ باريس لا تنظر بعين الرضا لتعاظم النفوذ الروسي في ليبيا وتحديدا في الشرق والجنوب الواقعين تحت سيطرة الجيش بقيادة حفتر
وتقع قاعدة الويغ الجوية في جنوب ليبيا قرب الحدود مع تشاد، وتوصف بأنها قاعدة جوية إستراتيجية متقدمة في عمق الصحراء الليبية. وتحدثت مصادر ليبية عن طلب خاص تقدم به الرئيس الفرنسي خلال لقائه بقائد الجيش الليبي يتعلق بعدم تسليم زعيم مجموعة نيجرية معارضة يدعى محمود صلاح -تم القبض عليه مؤخرا من قبل الجيش الليبي في بيته بمدينة القطرون جنوب البلاد- إلى السلطات النيجرية.
ويترأس صلاح جبهة التحرير الوطني التي تأسست مباشرة إثر الانقلاب العسكري الذي شهدته النيجر في صيف عام 2023، وتسعى الجبهة للإفراج عن الرئيس النيجري السابق محمد بازوم. وتوجد في منطقة جنوب ليبيا امتدادات قبلية للتبو والطوارق في عدد من البلدان الأفريقية المجاورة، التي تعاني نزاعات مسلحة وصعوبات اقتصادية على غرار السودان وتشاد والنيجر.
وأبدى عدد من المراقبين مخاوفهم من وجود عناصر أخرى نائمة تابعة لجماعات أفريقية مسلحة في مناطق مختلفة من الجنوب الليبي الغني بالنفط والمياه الجوفية والثروات المنجمية.
ويعاني الجنوب الليبي من تحديات أمنية كبيرة تؤثر بشكل مباشر على استقرار البلاد والمنطقة بأسرها. وتعد هذه المنطقة في ليبيا نقطة مهمة للجماعات المسلحة الأفريقية والجهادية التي تنشط في منطقة الساحل والصحراء.
ومعروف أن جهة الجنوب، وخاصة منها المناطق غير المأهولة، تحولت منذ سنوات إلى معقل لتنظيميْ القاعدة وداعش، بالإضافة إلى تهديدات أخرى من مجموعات إجرامية تهرّب الأسلحة والمخدرات وتستغل الفوضى في المنطقة لتحقيق مكاسب مالية.