خبير فرنسي: الاستقلال الرقمي الأوروبي لن يتحقق دون ثورة استثمارية عميقة
أكد الخبير الفرنسي المتخصص في سياسات الاقتصاد الرقمي والتكنولوجيا ودعم الشركات الناشئة، سيدريك أو، أن «توجه فرنسا نحو السيادة الرقمية لم يعد خياراً نظريًا في أوروبا، بل تحول إلى ضرورة استراتيجية مدفوعة بعوامل سياسية واقتصادية وأمنية.
وأشار إلى أن فرنسا تقود هذا التوجه بشكل واضح.
وأضاف الخبير الاقتصادي الفرنسي خلال مقابلة لـ"العين الإخبارية" أن اتجاهات فرنسا يمثل بداية ضرورية، لكنه لا يزال بعيداً عن تحقيق استقلال فعلي عن الهيمنة التكنولوجية الأمريكية، مشدداً على أن أوروبا تواجه تحديًا هيكليًا يتجاوز مجرد تطوير أدوات محلية بديلة.
وأوضح أن ما تقوم به فرنسا من تطوير منصات مثل “Visio” وحزمة “LaSuite” يعكس وعيًا متقدمًا بخطورة الاعتماد على شركات أمريكية كبرى مثل Microsoft وGoogle، إلا أن هذه الخطوات تظل حلولًا جزئية إذا لم تدعم باستراتيجية صناعية أوسع تشمل الاستثمار في البنية التحتية الرقمية والابتكار العميق.
وأشار إلى أن عودة دونالد ترامب إلى رئاسة الولايات المتحدة سرعت من إدراك الأوروبيين لمخاطر الاعتماد على بيئة تكنولوجية خاضعة لقرارات سياسية خارجية، موضحًا أن "السيادة الرقمية لم تعد مسألة تقنية، بل أصبحت عنصرًا من عناصر الأمن القومي".
وأضاف أن المشكلة الأساسية في أوروبا تكمن في ضعف التمويل الموجه للشركات التكنولوجية الناشئة مقارنة بالولايات المتحدة، حيث لا تزال الفجوة في رأس المال المخاطر تعيق ظهور شركات عملاقة قادرة على المنافسة عالميًا، وهو ما يجعل القارة "مستهلكًا للتكنولوجيا أكثر من كونها منتجًا لها".
نجاح النموذج الفرنسي
وأكد أن نجاح النموذج الفرنسي يعتمد على قدرته في التحول من "رقمنة الإدارة" إلى "بناء منظومة ابتكار متكاملة"، تشمل الجامعات، ومراكز البحث، والشركات الناشئة، وصناديق الاستثمار، مشيرًا إلى أن التركيز على القطاع الحكومي وحده لن يكون كافيًا لتحقيق الاستقلال الحقيقي.
كما حذر من أن أوروبا قد تواجه خطر “التبعية المزدوجة"، إذا حاولت الابتعاد عن الولايات المتحدة دون بناء بدائل قوية، ما قد يفتح المجال أمام قوى تكنولوجية أخرى لملء الفراغ، وهو ما يتطلب توازنًا دقيقًا بين الانفتاح الاستراتيجي والاستقلال.
وأكد أن أحد أبرز عناصر القوة الأوروبية يتمثل في قدرتها التنظيمية، خاصة في وضع القواعد والمعايير الرقمية، كما ظهر في تشريعات حماية البيانات، معتبرًا أن هذه القدرة يمكن أن تتحول إلى أداة نفوذ عالمي إذا ما تم توظيفها لدعم شركات أوروبية مبتكرة.
نقطة انطلاق مهمة
وشدد على أن "المعركة الحقيقية ليست في استبدال تطبيق بآخر، بل في إعادة بناء موقع أوروبا داخل الاقتصاد الرقمي العالمي"، مشيرًا إلى أن فرنسا تمثل نقطة انطلاق مهمة، لكن النجاح يتطلب تنسيقًا أوروبيًا واسع النطاق واستثمارات طويلة الأمد تتجاوز الحلول السريعة.
وتستعد فرنسا للتخلي تدريجيًا عن عمالقة التكنولوجيا الأمريكيين، في خطوة قد تتبعها بقية دول أوروبا.
وتبدو فرنسا في طليعة حركة متنامية داخل أوروبا تسعى إلى تحقيق السيادة الرقمية في أسرع وقت ممكن، بهدف إنهاء الاعتماد على الولايات المتحدة، وعدم ربط مصيرها بالتقلبات السياسية، خاصة مع عودة دونالد ترامب إلى السلطة، بحسب مجلة "سليت" الفرنسية.
وخلال الأشهر الأخيرة، سرعت الحكومة الفرنسية جهودها لتطوير ونشر تقنياتها الخاصة الموجهة لموظفي القطاع العام.
وتدرك الدول الأوروبية جيدًا مدى اعتمادها على التكنولوجيا الرقمية الأمريكية. وتصاعد التوترات بين القارة الأوروبية والولايات المتحدة، يبدو أن هناك توافقًا متزايدًا على استبدال التقنيات الأمريكية ببدائل محلية، بهدف تحقيق نوع من الاستقلال الرقمي.
وبحسب تقرير نشره Wired، لا يوجد مثال أفضل من فرنسا لتجسيد هذا التوجه. فقد كثّفت الحكومة الفرنسية جهودها لتطوير أدواتها الرقمية الخاصة، مع هدف واضح يتمثل في تقليص الاعتماد على التكنولوجيا الأمريكية بشكل عاجل، بسبب المخاوف المرتبطة بأمن البيانات، وعدم استقرار السياسات الأمريكية، وتقلب الأسعار.
منصات فرنسية بديلة
وأنشأت الدولة الفرنسية منصة خاصة لعقد الاجتماعات المرئية تحت اسم “Visio”، بهدف استبدال تطبيقات أمريكية مثل "زووم" و"مايكروسوفت تيمز".
وقالت المديرة المشتركة للرقمنة في الحكومة، صوفي سكاتشر يستخدم نحو 40 ألف موظف حكومي هذه المنصة بالفعل، ومن المتوقع أن يعمم استخدامها بحلول عام 2027.
وأكدت أن “الحكومة تثق في Visio للاستخدام اليومي، ولم تعد تعتمد على مزود واحد يفرض عليها منصة معينة”.
منظومة رقمية متكاملة
تعمل فرنسا منذ عام 2023 على تطوير مجموعة أدوات رقمية تُعرف باسم “LaSuite”، وتشمل تطبيق المراسلة الفورية “Tchap” بديلًا للبريد الإلكتروني مثل Gmail وبرنامج “Fichiers” لإدارة الملفات وبرنامج “Docs” لمعالجة النصوص وبرنامج “Grist” لجداول البيانات.
وقد وصل عدد مستخدمي “Tchap” إلى 420 ألف مستخدم نشط، مع إضافة 20 ألف مستخدم جديد شهريًا.
الاعتماد على البرمجيات مفتوحة المصدر
تعتمد هذه المشاريع على البرمجيات مفتوحة المصدر، حيث لا تقوم الدولة بتطوير كامل الشفرة البرمجية بنفسها، بل تنشرها عبر منصة "جت هاب" لشركة مايكروسوفت.
وفي الوقت ذاته، تفرض الحكومة الفرنسية معالجة جميع البيانات داخل الأراضي الفرنسية، وتخزينها لدى مزودين معتمدين من وكالة الأمن السيبراني الفرنسية.
وقالت المحللة الاقتصادية مارثا بينيت، أن فرنسا حققت تقدمًا سريعًا في هذا المجال”، مشيرة إلى أن لديها تقليدًا قويًا في تطوير البرمجيات والمساهمة في المصادر المفتوحة، إضافة إلى نظام إداري مركزي يمنحها ميزة تنفيذية، وفقا للمجلة الفرنسية.
أوروبا على نفس المسار
لا تقتصر هذه الجهود على فرنسا، إذ بدأت عدة دول أوروبية مثل هولندا والنمسا وبلجيكا والدنمارك وفنلندا.
في إطلاق مبادرات مشابهة لتعزيز سيادتها الرقمية، خاصة منذ بداية الولاية الثانية لترامب.
قيود التوجه الأوروبي
رغم هذا الزخم، لا تزال هناك تحديات كبيرة، إذ تشير تقارير أوروبية إلى أن الشركات الأمريكية تهيمن على مختلف طبقات البرمجيات.
كما أن خدمات الحوسبة السحابية التابعة لشركات مثل غوغل وأمازون، تستحوذ على نحو 70% من سوق الاتحاد الأوروبي، في حين تذهب 80% من إنفاق الشركات الأوروبية على البرمجيات إلى شركات أمريكية.
والأكثر إثارة للقلق أن ما لا يقل عن 23 دولة تعتمد على شركات التكنولوجيا الأمريكية في وظائف حيوية مرتبطة بالأمن القومي، وفقًا لمعهد “Future of Technology Institute".
يشير هذا التوجه إلى تحول استراتيجي عميق في أوروبا، تقوده فرنسا نحو بناء استقلال رقمي، إلا أن الطريق لا يزال طويلًا في ظل الهيمنة الأمريكية الراسخة على قطاع التكنولوجيا العالمي.