ثقل السحابة: حين تستحيل البيئة وقودا للخوارزميات

وكالة أنباء حضرموت

يغشانا وهم عميق بالانفصال، إذ نتخيل أن أفكارنا، صورنا، ومعلوماتنا تسبح في سديم رقمي لا وزن له، وكأنها طاقة أثيرية متحررة من قيود الجاذبية والفيزياء. لكن الحقيقة هي أن “السحابة” ثقيلة جدا؛ إنها تزن أطنان الفولاذ والنحاس، وتستهلك أنهارا من مياه التبريد، وتقتات على معادن نادرة تُستخرج من جوف الأرض لتغذي وحشا رقميا ينمو بضجيج لا يتوقف.

ومن ثم، يُطرح السؤال الجوهري: ما ثمن الاتصال في العالم الرقمي؟ إن هذه الكلفة تعيد تعريف علاقتنا بالتقنية من “الاستخدام” البريء إلى “الاستعمار الاستخراجي”، حيث تمارس المنصات “استخراجية شاملة” للبيانات. لكن هذا ليس نقدا تقنيا فحسب، بل أداة سياسية تكشف تحول المنصات إلى قوى استعمارية جديدة، حيث إذا كان المستعمرون في الماضي استنزفوا الأراضي والذهب والنفط، فالمستعمر الرقمي اليوم يستنزف “الحياة” ذاتها؛ حيث تتحول تجاربنا الإنسانية وعلاقاتنا الاجتماعية إلى مواد خام تُنتزع منا قسرا.
وبذلك، فإن البيانات ليست مجرد “فائض” عابر، بل هي جزء أصيل من كينونتنا البشرية؛ إذ بتنا لا نستخدم الإنترنت، بل الإنترنت هو الذي يستخدمنا كوقود حيوي لمراكز بياناته العملاقة التي لا تهدأ.

وهم المجانية وعصر رأسمالية المراقبة
حين نمارس حياتنا رقميا نحن فعليا ننتزع أجزاءً من وعينا لنحولها إلى سلعة تغذي أرباح الشركات الكبرى. “المجانية” ليست سوى إغراء خادع لنهب مواردنا الشخصية. مفاد ذلك أننا أصبحنا أمام استخراجية لا تكتفي بجمع البيانات، بل تعمل على إعادة هندسة السلوك البشري ذاته لضمان تدفق هذه الموارد، مما يُحولنا من مستخدمين إلى “منجم بشري” يُنقب في قيعانه بلا هوادة. إن الهروب من قبضة المنصات بات فعلاً مقاوما؛ ففي هذه المواجهة نجد رابطا وثيقا بين “الهدر الرقمي” و”الانتهاك الوجودي” للإنسان.

والخسارة هنا لا تقتصر على خصوصيتنا، بل تمتد لتشمل استقلالية قرارنا الفردي والجماعي في إدارة حياتنا، وهو ما يستلزم إعادة تقييم جدوى هذه المنصات في ضوء تكلفتها الوجودية. ذلك أن رأسمالية المراقبة لم تعد نموذج عمل، بل أصبحت هندسة للواقع الاجتماعي، تفرض قيودا غير مرئية على حرية الاختيار الإنساني، وتجعل من “التنبؤ بالسلوك” صناعة قائمة على تدمير “العفوية البشرية”.

اقتصاد النهب الهيكلي وبارونات البيانات
يفرض بارونات المنصات الرقمية “إقطاعيات بيانات” تعتمد على استمرار تدفق مواردنا الفردية كوقود لمراكز خوادمها؛ فنحن في الواقع “مورد طبيعي” للمنصات العملاقة. هذا “الاقتصاد الرقمي” قائم على نهب هيكلي؛ فالبيانات أثمن من النفط لأنها لا تُستخرج من باطن الأرض فحسب، بل من باطن التجربة الإنسانية. وعلاوة على ذلك، هناك جمع بين “استبداد الرداءة” و”الاستعمار التقني”؛ حيث يستخرج بارونات المنصات الرقمية من عقولنا وقلوبنا كل شيء.

وبالتالي يلتهم التطور التقني الحالي الجسد والأرض معا؛ فكل نقرة هي تفريط في مورد بشري حيوي، مما يجعل النقد الرقمي مواجهة مع منظومة تعيد هندسة الوجود. إننا أمام بنية تحتية تمتص طاقة المجتمعات لتغذية مراكز قوة مركزية، مما يعيد إنتاج التبعية التاريخية بين “مركز” يملك التقنية و”أطراف” تمده بالبيانات والموارد.

"مصانع الخيال" هذه تعمل بالوقود الأحفوري؛ فكل "طلب" هو عملية حرق لموارد الأرض، وكل صورة هي نفايات إضافية تزيد ثقل السحابة

إن قوة هذه المنصات لم تعد تكمن في المعلومات التي تمتلكها فقط، بل في قدرتها على فرض “قوانين خوارزمية” تتجاوز السيادة الوطنية، مما يجعل دولاً بأكملها عاجزة أمام تغلغل هذه الإقطاعيات الرقمية الجديدة التي تبتلع السيادة السياسية وتستبدلها بسيادة الخوارزمية.

الزهد الرقمي كفعل سياسي ومقاومة بيئية
يشير كال نيوبورت إلى فلسفة “الحدنوية (الحد الأدنى)” كأداة لاستعادة السيادة، بينما يؤكد نيك كولدري وأوليسيس ميخياس أن “الزهد الرقمي” ليس نصيحة للصحة النفسية فحسب، بل “فعل سياسي” وموقف أخلاقي ضد الاستخراجية الشاملة. فالمحتوى الرديء هو الأقدر على سرقة الانتباه، والمنصات تُغذيه لأنه الأرخص إنتاجا، بحيث نستهلك موارد الكوكب لنغذي “فراغا معرفيا”.

إن الزهد الرقمي هنا ليس تراجعا عن الحداثة، بل هو استعادة للإرادة الحرة في زمنٍ يُراد فيه للإنسان أن يكون مجرد مستهلك سلبي للمحتوى الخوارزمي. والزهد بذلك هو إعلان استقلال عن الإقطاع الرقمي، وفعلٌ يحد من الطلب على مراكز البيانات التي تلتهم الطاقة. نحن بحاجة إلى سياسة ترشيد للمحتوى لإنقاذ العقل والبيئة في آن واحد، فالمحتوى غير النافع ليس مجرد ضجيج، بل هو تلوث مادي ملموس يترك آثارا كربونية دائمة.

ومن ثم، فإننا بحاجة إلى ثورة ثقافية تبدأ من “الاستغناء الواعي”، حيث ندرك أن كل ثانية نقضيها في التصفح العبثي هي طعنة في قلب التوازن البيئي لكوكبنا، وأن رفض “الفائض الرقمي” هو أول خطوة نحو استعادة “السيادة البشرية” التي سلبتها الخوارزميات.

السحابة المادية وأيديولوجيا التجريد
مصطلح “السحابة” هو أعظم خدعة تسويقية لفصل المستخدم عن مسؤوليته البيئية. فخلف هذا التجريد تستهلك مراكز البيانات ملايين اللترات من المياه العذبة لتبريد خوادمها، وهو ما يسميه الفيلسوف تيموثي مورتون “الشيء المفرط” الذي تعجز مداركنا عن استيعاب حجم دماره المادي. ومن هنا، فالسحابة ليست “طاقة نظيفة”، بل “طاقة محروقة”؛ ونقدها هو نقدٌ للنزعة الرأسمالية المتوحشة التي تسعى لخصخصة الفضاء وتحويل الطبيعة إلى خادم للبيانات. أول حيلها: إخفاء التكلفة كضمانة استمرارها.

لذلك، إن تفكيك هذا الوهم هو فعل سياسي يمزق حجاب “الرفاهية الرقمية” ليكشف حقيقتها كنشاط صناعي كثيف الاستهلاك. وكما أثبتت الدراسات العلمية، فالسحابة التي نثق فيها هي مركز بيانات يولد حرارة هائلة ويستهلك مساحاتٍ من الأرض، وتلك الخفة التي تعدنا بها التقنية هي “ثقل بيئي” يُرحّل للأجيال القادمة.

وبالتالي، نحن بحاجة إلى “نقد السحابة” لتجاوز حالة “العمى الإرادي” تجاه التبعات المادية. ومن المفارقات القاسية أن هذه السحابة تبتلع موارد المناطق الأكثر عطشا في العالم، لتبريد ذكاء اصطناعي يُستخدم أحيانا في صناعة محتوى إعلاني يكرس النمط الاستهلاكي المفرط، مما يغلق دائرة الدمار البيئي على أكثر الشعوب تضررا من التغير المناخي.

العطش الخوارزمي وجيوسياسة الموارد
الذكاء الاصطناعي آلة “عطشى” تتطلب ملايين اللترات من المياه يوميا لتبريد خوادمها. وهنا تبرز تساؤلات جيو – سياسية: لماذا تُسلب الموارد الحيوية من مجتمعات تعاني من الجفاف لتبريد خوادم تخدم إعلانات تافهة؟ إن هذا التوزيع القسري يعيد إحياء أنماط الاستغلال القديمة؛ حيث يمتص المستعمر الرقمي الموارد من الأطراف ليغذي “مركز” الذكاء الاصطناعي، في معادلة توضح كيف تصبح المياه والكهرباء والمعادن وقودا للمنافسة التكنولوجية على حساب بقاء الإنسان. نحن نشهد “عسكرة للموارد” تحت شعار التطور التقني، حيث تعيد الخوارزميات هندسة التوزيع العالمي للثروة لصالح من يملك القدرة على “حرق” الأكثر. وبالتالي، فإن كل استفسارٍ تجريه هو سحبٌ مباشر من حصة كوكبنا في البقاء.

إن الصراع على الموارد الرقمية هو “الاستعمار الجديد” الذي لا يحتاج إلى جيوش، بل إلى اتفاقيات تمنح الشركات حق الوصول إلى الموارد مقابل وعود فارغة.

وفي قلب العالم العربي تتجلى هذه المأساة؛ حيث تُستنزف مواردنا المائية والطاقة لتشغيل خوادم منصاتٍ لا تساهم في تنميتنا، بل تعمق أزماتنا البيئية، إذ نصدر “البيانات” ونستورد “الرداءة” التي تكرس التبعية. يضاف إلى ذلك أن دولنا، التي تُعاني من ندرة المياه، تجد نفسها في مواجهة معضلة أخلاقية؛ فغياب تشريعات بيئية صارمة تضبط استهلاك الشركات التقنية الكبرى لمواردنا الحيوية، يجعل من تلك الاستثمارات الرقمية عبئا يهدد استقرارنا البيئي، ويُحوّل أرضنا إلى قاعدة خلفية لعمليات استخراجية لا تعترف بحق الأجيال العربية في البقاء، مما يستوجب صياغة سياسات رقمية سيادية تحمي مواردنا من التآكل لصالح خوارزمياتٍ عابرة للحدود.

اقتصاد الهدر والنفايات الرقمية
في “اقتصاد الهدر” الرداءة ليست عبئا على العقل فحسب، بل عبء مادي يستهلك طاقة هائلة في الرفع والتخزين والتبريد المستمر. إن كل صورة أو مقطع فيديو عبثي يضاعفان استهلاك الكوكب للكهرباء والوقود الأحفوري. لذلك يعتبر نقد هذه الرداءة دفاعا عن البيئة؛ لأن ترشيد استهلاك المحتوى يعني مباشرةً ترشيد استهلاك الطاقة. نحن هنا لسنا أمام “اقتصاد معرفة”، بل “اقتصاد هدر شامل” يلتهم موارد الكوكب لخدمة رفاهية رقمية فارغة. والنتيجة، أن الرداءة هي “نفايات سامة” تنتجها الخوارزميات، وتراكمها يعني استنزافا غير مبرر للطاقة.

الذكاء الاصطناعي التوليدي هو مرآة لجشع الرأسمالية المتوحشة التي لا تعترف بحدود، وهذا التطور في جوهره هو تراجع بيئي خطير يهدد استمرارية حياتنا المادية

في المقابل نحن بحاجة ماسة لسياسة ترشيد ليس لإنقاذ العقل، بل لإنقاذ الكوكب من الهدر الرقمي الممنهج الذي يفرضه بارونات التقنية لضمان دوران عجلة البيانات. إن كل “بايت” من “البيانات التافهة” المخزنة هو عبارة عن “نفايات رقمية” لا تتحلل، بل تظل تستهلك الكهرباء إلى الأبد، مما يجعلنا أمام حالة من “التراكم الرقمي السام” الذي لا يختلف في أثره البيئي عن إشعاعات التراكم النووي. وعليه، يجب أن ندرك أن الإنترنت ليس “فضاءً لانهائيّا”، بل هو نظام مادي مقيد بحدود الكوكب.

“الغسيل الأخضر”: إستراتيجية التضليل
تتبنى الشركات الكبرى شعارات “الاستدامة” كإستراتيجية تضليل لحماية امتيازاتها من المساءلة، مستخدمةً شهادات حسن سلوك لتجميل واقع يعتمد على الوقود الأحفوري. لكن هذه “الاستدامة المزيفة” أداة استعمارية تمنع القوانين الوطنية من فرض ضرائب بيئية عادلة، إذ تدعي الشركة أنها “محايدة كربونيّا” عبر شراء تعويضات وهمية بينما تواصل عمليات استنزاف الموارد. لا نحتاج إلى جهد تأويلي للكشف عن أن التناقض بين هدف الربح والحفاظ على البيئة تناقض بنيوي؛ فكلما زادت الشعارات الخضراء، زاد التوسع في البنية التحتية الملوثة.

إن هؤلاء لا يملكون ضميرا بيئيا، بل إستراتيجيات تسويقية تعيد تدوير الوعي العام لخدمة الربح، متجاهلين أن النمو الأسي للبيانات لا يمكن أن يستمر داخل حدود كوكب محدود الموارد. ومن ثم، فإن الغسيل الأخضر هو مسحوق للتجميل، ويعد قمة التلاعب الذي يجب أن يُفضح لكشف الوجه القبيح للاستعمار التقني الذي يمارس “الإبادة البيئية” بابتسامة خضراء، حيث تتم التغطية على الدمار المادي ببث إعلانات عن “ذكاء اصطناعي أخضر” لا يمت للواقع بصلة، بل هو مجرد واجهة تهدف إلى تهدئة القلق وتجنيب الشركات تبعات “المساءلة الأخلاقية” والمالية.

الذكاء الاصطناعي التوليدي: مرحلة الاستنزاف القصوى
نحن اليوم أمام موجة استخراجية تسرق “الحيز الرمزي” لإبداعنا لتنتج نصوصا وصورا بكميات لانهائية، مما يعني استهلاكا مضاعفا للطاقة يفوق محركات البحث التقليدية بمراحل. ذلك أن “مصانع الخيال” هذه تعمل بالوقود الأحفوري؛ فكل “طلب” هو عملية حرق لموارد الأرض، وكل صورة هي نفايات إضافية تزيد من ثقل السحابة. بحيث يعد هذا “الاستنزاف النوعي” ذروة التناقض؛ حيث ننتج آلات تظن أنها “ذكية” وهي في الحقيقة “أكثر غباءً بيئيا” من أي وقت مضى.

على عكس ذلك، نحن بحاجة إلى “سيادة تكنولوجية” تعيد تقييم الضرورة والتشبث بالأولويات؛ فهل نحتاج حقا إلى آلات تولد ضجيجا رقميا لا ينتهي، بينما يعاني الكوكب من جفاف وتلوث لا مفر منه؟ إن الذكاء الاصطناعي التوليدي هو مرآة لجشع الرأسمالية المتوحشة التي لا تعترف بحدود، وهذا التطور في جوهره هو تراجع بيئي خطير يهدد استمرارية حياتنا المادية. فهذا النوع من الذكاء الاصطناعي يعمل كـ”آلة لابتلاع الذاكرة البشرية”، حيث يتم إدخال كل تراثنا الثقافي والأدبي في “مفرمة رقمية” لتوليد مخرجات سطحية تفتقر إلى الروح، لكنها تستهلك كميات من الكهرباء توازي ما تستهلكه مدينة صغيرة.

الاستخلاف الواعي: نحو إعلان استقلال رقمي
إن “الاستخلاف الواعي” هو الممارسة العملية الوحيدة لاستعادة السيادة على الموارد وتفعيل الوعي النقدي. عندما تحد من استهلاكك للتقنية، أنت تغلق بئر النفط البيئي الذي تستخرج منه الشركات أرباحها. وهنا، فالزهد الرقمي ليس ترفا بل إعلان عن عصيان مدني على إقطاعيات المعنى والبيئة؛ إنه فعل تحرر يرفض استمرار نهب مواردنا المشتركة. لذلك، نحن لا نحتاج إلى المزيد من التقنية، بل إلى الأفضل والأكثر استدامة.

هكذا، نتحول من “مستهلكين خوارزميين” إلى “فاعلين واعين” يعيدون بناء علاقة متوازنة مع العلم والطبيعة، فكل نقرة هي عهد بحماية الأرض، وكل لحظة وعي هي انتصار للإنسانية. إن استعادة التوازن تبدأ من إدراك أن كل فعلٍ تقني هو اختيارٌ بيئيٌّ بامتياز. وبالتالي، إننا مدعوون اليوم لصياغة “ميثاق أخلاقي للوجود الرقمي”، يفرض حدودا على تغوّل الخوارزميات، ويُعيد الاعتبار للبيئة والإنسان وقدرته على العيش في وئام مع الموارد المحدودة للأرض. ومن ثم، فإن التحرر من قبضة “الاستعمار الرقمي” ليس مجرد طموحٍ فكري، بل هو فريضة وجودية لضمان مستقبلٍ لا تُقاس فيه قيمة الحضارة بما نستهلكه رقميا، بل بما نحافظ عليه من حياةٍ ماديةٍ حقيقيةٍ لأجيالنا القادمة.

في قلب العالم العربي، تتفاقم هذه المأساة أمام ندرة المياه وزحف التصحر؛ إذ تُستنزف مواردنا المائية والطاقة المحدودة لتشغيل خوادم منصاتٍ غربية تعمق أزماتنا البيئية بدل المساهمة في حل معضلاتنا التنموية. إن تصديرنا للبيانات الثمينة مقابل استيراد “الرداءة الرقمية” يكرس تبعيةً ثقافيةً وسياسيةً خانقة، وهو ما يستوجب صياغة سياساتٍ رقميةٍ سيادية تحمي مقدراتنا من التآكل لصالح خوارزمياتٍ عابرةٍ للحدود.