"تعبئة إعلامية شاملة في دول الخليج".. الإعلام خط الدفاع الأول
أطلق وزير الإعلام السعودي سلمان بن يوسف الدوسري دعوة صريحة لتوحيد الخطاب الإعلامي في دول مجلس التعاون الخليجي، معتبراً إياها ضرورة استراتيجية لمواجهة "كل ما يستهدف أمن دولنا واستقرارها" في ظل الظروف الإقليمية الراهنة، وفق تغريدة نشرها على منصة "إكس".
وقال الدوسري في نص التغريدة التي لاقت تفاعلاً واسعاً "بخطابٍ واحدٍ وإعلامٍ مسؤول، أدعو إخواني وأخواتي الإعلاميين والإعلاميات في دول مجلس التعاون لأن نقف صفاً واحداً في مواجهة كل من يستهدف أمن دولنا واستقرارها، لتبقى وجهتنا واحدة: دول قوية مستقرة في وجه العدوان. حفظ الله دولنا وقياداتها وشعوبها، وأدام عليها أمنها وعزها واستقرارها". وأكد لاحقاً، عقب اجتماعات خليجية، "التوافق التام" على هذه الدعوة واعتماد مبادرات نوعية للتكامل الإعلامي المشترك.
جاءت الدعوة السعودية في أعقاب اجتماع استثنائي لوكلاء وزارات الإعلام الخليجية عبر الاتصال المرئي، ناقش "الاستراتيجية الإعلامية الخليجية الموحدة لتنسيق الخطاب في الأزمات". وتركزت النقاشات على تعزيز التنسيق بين الدول الأعضاء، إبراز المواقف المشتركة، تفعيل وكالات الأنباء الخليجية، تبادل المحتوى عبر القنوات والمنصات الرقمية، ومواجهة حملات التضليل والشائعات المرتبطة بالأزمة الحالية. كما تضمنت مقترحات لتعزيز الحضور الإعلامي الخليجي في الوسائل الدولية.
ترجمت الدعوة إلى خطوات ملموسة، من بينها اجتماع وكلاء وزارات الإعلام الخليجية يوم 7 مارس لمناقشة "الاستراتيجية الإعلامية الموحدة لتنسيق الخطاب في الأزمات"، ثم الاجتماع الوزاري الاستثنائي يوم 11 مارس الذي أكد "ضرورة خطاب إعلامي متماسك" يعكس وحدة الموقف ويواجه التضليل. وتشمل المقترحات تبادل المحتوى، تفعيل وكالات الأنباء المشتركة، وتعزيز الحضور في الإعلام الدولي.
يُجمع مراقبون على أن هذا التوجه يعكس إدراكاً متزايداً بأن قوة الدول الخليجية في عصر الرقمنة لا تقتصر على الموارد الاقتصادية أو القدرات العسكرية، بل تشمل أيضاً القدرة على السيطرة على "ساحة المعلومات" وحماية "السردية الوطنية والإقليمية". وإذا نجحت هذه المبادرة، فقد تمثل نموذجاً لتكامل إعلامي إقليمي في مواجهة التحديات المعقدة للقرن الحادي والعشرين.
وأكد وزير الإعلام البحريني رمزان بن عبدالله النعيمي، الذي ترأس الاجتماع الطارئ لوزراء الإعلام بدول المجلس "ضرورة الوصول إلى خطاب إعلامي خليجي متماسك يعكس وحدة الموقف ويواكب تطورات المشهد الإقليمي"، مشدداً على مسؤولية المؤسسات الإعلامية في نقل الحقائق بمصداقية والتصدي للتضليل.
وقال الدوسري "شاركت في الاجتماع الاستثنائي لأصحاب المعالي والسعادة وزراء الإعلام بدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وسعدتُ بالتوافق التام على دعوة توحيد الخطاب الإعلامي والوقوف صفاً واحداً في مواجهة كل ما يستهدف استقرار وأمن دولنا، كما اعتمدنا في الاجتماع مبادرات نوعية تستهدف تحقيق التكامل، وتعزز العمل الإعلامي الخليجي المشترك.
في الكويت، أبرزت وسائل إعلام مسودة خطة عاجلة قدمتها مؤسسة الإنتاج البرامجي المشترك، مع نقل تصريح الشيخ مبارك فهد الجابر الصباح مدير عام المؤسسة حاء فيه "العمل على إعداد رسائل إعلامية خليجية موحدة تبث عبر القنوات والمنصات الرقمية، لتقديم محتوى احترافي يعكس الرواية الخليجية المشتركة".
وأعرب أمين عام مجلس التعاون جاسم البديوي في سياق متصل عن أن "الإعلام الخليجي مطالب اليوم أكثر من أي وقت مضى بأن يكون على قدر المسؤولية".
ووصف خبراء ومحللون الدعوة بأنها "وعي استراتيجي" يجعل الإعلام "جبهة موازية" للجبهات السياسية والأمنية، قادرة على بناء الثقة ومواجهة "الحملات الممنهجة والشائعات". وأشار محللون إلى أنها ليست "ظرفية" بل "ضرورة دائمة" في عصر التواصل الرقمي، تمتد إلى كل من يشكل الوعي العام.
وقالت المحللة السعودية البندري اليماني "هذه الدعوة لا تعني الإعلاميين فقط، بل تمتد إلى كل من يشارك في تشكيل الوعي العام... الكلمة حين تُكتب بوعي وحكمة تصبح جزءاً من حماية الاستقرار".
يرى مراقبون ومحللون سياسيون أن هذه التصريحات تعكس تحولاً نوعياً في النظرة الخليجية إلى دور الإعلام في عصر التواصل الرقمي. ففي زمن الحروب الهجينة، لم يعد الإعلام مجرد ناقل للأحداث أو أداة دعائية مساندة، بل أصبح جبهة قتالية مستقلة ومتقدمة، قادرة على التأثير المباشر في الوعي الجمعي، التماسك الداخلي، والصورة الدولية. وهذه الجبهة تُدار بالتوازي مع الجهود السياسية والأمنية.
تشير عبارة "التعبئة العامة"، التي استخدمها بعض الكتاب والمحللين في تعليقاتهم على الدعوة، إلى استنفار شامل يشمل ليس فقط الوزارات والقنوات الحكومية ووكالات الأنباء، بل أيضاً صناع المحتوى الرقمي، المؤثرين، الكتاب، والمواطنين الذين يشاركون في نشر المعلومات أو تشكيل الرأي العام.
وفي هذا السياق، يُعتبر الإعلام "خط الدفاع الأول"، كما وصفه عدد من التصريحات الرسمية والإعلامية، لأن الشائعات والحملات المضللة تنتشر بسرعة فائقة عبر المنصات الرقمية، وقد تؤدي إلى زعزعة الثقة الداخلية أو إضعاف الموقف الجماعي قبل أي تصعيد عسكري أو دبلوماسي.
وفي عصر وسائل التواصل الاجتماعي، يمكن لرواية إعلامية متماسكة أن تعزز الثقة بالمؤسسات، تكشف التضليل، وتبني "سردية خليجية مشتركة" موحدة أمام الرأي العام الإقليمي والدولي. أما أي تناقض أو فراغ في الخطاب فيُستغل لزرع الشك أو تعزيز روايات معادية.
ووفق معلقين فإن هذا التحول لا يجب أن يكون ظرفياً مرتبطا بالحرب الحالية، بل يجب أن يكون استراتيجياً دائماً. ففي ظل انتشار المعلومات المفبركة والحملات المنظمة، يصبح توحيد الرسائل الإعلامية ضرورة للحفاظ على "الوعي الاستراتيجي" ومنع "الاختراق المعنوي". وأشارت بعض التعليقات إلى أن الدعوة تمتد إلى "كل من يشكل الوعي العام"، بما في ذلك المستخدمين العاديين على المنصات، مما يجعلها تعبئة شاملة تشمل المجتمع بأكمله.