الجنوب اليمني في مواجهة مشروع الهيمنة السعودية

جهاد محسن
وكالة أنباء حضرموت

يتعرض الجنوب اليمني لمرحلة مفصلية تتقاطع فيها التحركات العسكرية والأمنية مع أهداف سياسية تتجاوز الإطار المحلي، فالمشهد الراهن يكشف عن مشروع سعودي يسعى إلى فرض نفوذ مباشر على القرار الجنوبي، عبر أدوات عسكرية وأمنية وإعلامية، بهدف إعادة تشكيل موازين القوة، والتحكم بمسار الجنوب السياسي، ومنع تبلور مشروع دولة جنوبية مستقلة القرار.
هذه الهيمنة لا تتجلى فقط في الدعم العسكري، بل في إدارة الصراع بما يضمن إبقاء الجنوب في حالة هلاك دائم، يعيق استقراره ويقيد إرادته.

تصعيد أمني بغطاء سياسي

التطورات الشعبية الميدانية الأخيرة التي شهدتها محافظات عدن وحضرموت وشبوة والضالع وردفان جاءت عل خلفية تحركات مشبوهة تقودها قوات الطوارئ الإخوانية وقوات ذات خلفية سلفية مدعومة سعودياً، تحت لافتة تثبيت الأمن، غير أن طبيعة انتشارها وتحركاتها تعكس توجهاً لفرض واقع جديد بالقوة، هذه القوات ذات الخلفية الأيديولوجية المتشددة لا تتحرك ضمن رؤية وطنية جامعة، بل تنفذ أجندة ترتبط مباشرة بمصالح الرياض في الجنوب.
القصف الجوي السعودي الذي طال مواقع للقوات الجنوبية، إضافة إلى أضرار لحقت بممتلكات مدنية في حضرموت والضالع، يعكس مستوى الانخراط السعودي في إدارة الصراع ميدانياً، وبدلاً من دعم القوات الجنوبية التي واجهت التنظيمات المتطرفة سابقاً، في حضرموت وشبوة وأبين يجري اليوم إضعافها، بما يخلخل التوازن الأمني ويعيد إنتاج بيئة توتر دائمة.

استهداف المجتمع المدني وإعادة تشكيل المشهد

الاعتقالات التي طالت مواطنين وصحفيين ونشطاء سياسيين في عدة مناطق جنوبية لا يمكن فصلها عن سياق أوسع يهدف إلى كبح أي حراك شعبي معارض للنفوذ السعودي، هذه الإجراءات التي تتجاوز المعايير القانونية، تمثل انتهاكاً صريحاً لحقوق الإنسان، وتكشف عن استراتيجية تقوم على إخضاع المجال العام وإسكات الأصوات المنتقدة.
بهذا المعنى لا يبدو التصعيد مجرد رد فعل أمني، بل أداة وقوات معدة لإعادة هندسة المشهد السياسي والاجتماعي في الجنوب، بما يضمن بقاء القرار خاضعاً لإرادة خارجية.

تقاطع المصالح (الإخواني والحوثي) تحت المظلة السعودية

الدعم السعودي لقوات محسوبة على تيار الإخوان، في وقت تتقاطع فيه التفاهمات الإقليمية مع جماعة الحوثي، يضع الجنوب أمام معادلة معقدة، فكل استهداف للقوات الجنوبية التي خاضت مواجهات ضد (القاعدة وداعش)، وكل تضييق على القوى المناهضة للتطرف، يفتح المجال أمام عودة التنظيمات الإرهابية إلى المشهد وبكل قوة ووحشية.
ولاشك إن إضعاف القوى التي حاربت الإرهاب عملياً يمنح تلك التنظيمات فرصة لإعادة التموضع، ما يطرح تساؤلات حول جدوى السياسة السعودية في الجنوب، وما إذا كانت إدارة الصراع تتم على قاعدة إدامة الفوضى بدلاً من إنهائها.

من تفكيك الأمن الجنوبي إلى إدارة الفوضى

المسار الحالي يعكس تحولاً من دعم الاستقرار الجنوبي إلى إدارة حالة عدم استقرار، بالتزامن مع خطوات سعودية لإضعاف القوات الجنوبية، واستهداف البنية المجتمعية عبر القصف والاعتقالات، ما يؤديان إلى تفكيك منظومة الأمن المحلية التي تشكلت خلال سنوات المواجهة مع الإرهاب.
كل تصعيد عسكري ضد مناطق مأهولة، وكل انتهاك بحق المدنيين، يهدد النسيج الاجتماعي ويعيد الجنوب إلى مربع الانقسام، ومع استمرار هذا النهج السعودي، تصبح أي محاولة لبناء مصالحة وطنية أو مشروع دولة مستقرة أكثر تعقيداً.

إرادة الجنوب في مواجهة ضغوط الرياض

رغم الضغوط العسكرية والسياسية التي تمارسها السعودية، يستمر الحراك الشعبي في الجنوب في حالة غليان تأكيداً على رفض الوصاية الخارجية، فالتحركات في الشارع الجنوبي تعبر عن إرادة سياسية واضحة تسعى إلى بناء كيان مستقر، قائم على الأمن ومحاربة الإرهاب، لا على إعادة تدوير أدوات الفوضى.
إن الرهان على إخضاع الجنوب عبر القوة أو عبر إعادة ترتيب المشهد الأمني بما يخدم مشروع هيمنة -الرياض - لن يحقق استقراراً دائماً، فالتجارب السابقة أثبتت أن أي كيان يقوم على إضعاف القوى المناهضة للتطرف ينتهي إلى إنتاج بيئة خصبة للعنف.
فما يجري في الجنوب اليمني اليوم يتجاوز كونه صراعاً محلياً، إنه اختبار لطبيعة الدور السعودي في المنطقة، فإما أن يكون دعماً حقيقياً للاستقرار وبناء الدولة، أو استمراراً في إدارة صراع يكرس الفوضى ويقوض فرص السلام.
الجنوب بما يمتلكه من تجربة في مواجهة الإرهاب وإرادة شعبية رافضة للهيمنة، يقف اليوم أمام تحدٍ مصيري، إما فرض مشروعه الوطني، أو البقاء رهينة لسياسات خارجية تعيد إنتاج الأزمات بأدوات جديدة، وبقوات ذات خلفية إخوانية متشددة، وتيارت سياسية أكثر انتماءاً للرياض من كونها جنوبية.