اخبار الإقليم والعالم
تغطية الجبهة الجنوبية في لبنان أخطر المهام الإعلامية في العالم
يستمر نزيف الصحفيين في لبنان دون توقف، في ظل التصعيد العسكري الإسرائيلي على الجبهة الجنوبية، حيث أصبحت مهمة تغطية الأحداث على الأرض شبه مستحيلة دون تعرض الإعلاميين لمخاطر جمّة، تهدد حياتهم بشكل مباشر وتُحدّ من قدرة وسائل الإعلام على نقل صورة موضوعية لما يجري.
في أحدث حلقات هذا النزيف، قتلت يوم الأربعاء الصحفيتان سوزان خليل، مقدمة البرامج في قناة المنار، وغادة الدايخ، الإعلامية في موقع وإذاعة "صوت الفرح"، جراء غارات إسرائيلية منفصلة استهدفت مناطق في جنوب لبنان، وفقًا لمصادر إعلامية لبنانية ومنظمات حقوقية.
ويأتي سقوطهما بعد أيام قليلة من مقتل ثلاثة صحفيين آخرين في 28 مارس الماضي، هم مراسل قناة المنار علي شعيب، ومراسلة قناة الميادين فاطمة فتوني وشقيقها المصور محمد فتوني، في غارة إسرائيلية استهدفت سيارتهم المميزة بعلامة "Press" قرب مدينة جزين.
كما قُتل قبل ذلك بأيام المصور الحر حسين حمود، الذي يعمل مع قناة المنار، في غارة على مدينة النبطية.
ومنذ اندلاع التصعيد على الحدود اللبنانية-الإسرائيلية في أكتوبر 2023، ثم تفاقمه مع الحرب الإقليمية الأوسع، سجلت لجنة حماية الصحفيين مقتل عشرات الإعلاميين في لبنان، ليصبح العام 2025 الأكثر دموية في تاريخ تسجيلها، مع مسؤولية إسرائيل عن نحو ثلثي القتلى عالميًا.
وفي لبنان وحده، تجاوز العدد سبعة صحفيين في الأسابيع الأخيرة، بحسب المنظمة. وأقر الجيش الإسرائيلي باستهداف بعضهم، معتبرًا إياهم عناصر في حزب الله أو مرتبطين به، دون تقديم أدلة علنية في معظم الحالات.
في المقابل، تنفي وسائل الإعلام اللبنانية والمنظمات الحقوقية هذه الاتهامات، وتصف الضربات بأنها "جرائم متعمدة" ضد الطواقم الإعلامية، حتى لو كانت مركباتهم مميزة بوضوح.
وندد الرئيس اللبناني جوزاف عون والنقابات الإعلامية والأمم المتحدة بهذه الحوادث، مطالبين بتحقيقات مستقلة ومحاسبة، استنادًا إلى اتفاقيات جنيف التي تمنح الصحفيين حماية خاصة كمدنيين. غير أن مثل هذه التحقيقات تبقى نادرة وغير ملزمة.
النزيف المستمر يطرح تساؤلات حول مستقبل التغطية الإعلامية للنزاع: هل ستتحول الجبهة الجنوبية إلى "منطقة محظورة" على الصحافة الحرة؟
بين الغارات والقيودتُعد تغطية الجبهة الجنوبية (من الناقورة إلى مزارع شبعا) من أخطر المهام الإعلامية حاليًا. يواجه الصحفيون خطرًا مزدوجًا.
فمن الجانب الإسرائيلي، يواجه الصحفيون غارات دقيقة بطائرات مسيّرة أو صواريخ تستهدف السيارات والمواقع دون إنذار مسبق. حتى السترات والخوذات الواضحة والإحداثيات المعلنة لا توفر حماية كافية. الصحفيون يصفون الوضع بأنه "صيد انتقائي"، حيث يُستخدم التصوير أو النقل المباشر كذريعة للاستهداف.
أما من جانب حزب الله والسلطات المحلية، فيتطلب الدخول إلى المناطق الجنوبية تصاريح من الجيش اللبناني ووزارة الإعلام، بالإضافة إلى موافقة حزب الله في المناطق الخاضعة لنفوذه.
ومؤخرًا، فرض الحزب حظرًا شبه كامل على التصوير في بعض الضواحي والقرى، خوفًا من أن يُستخدم الفيديو لتوجيه الضربات الإسرائيلية.
وتحظر بعض البلديات، مثل مرجعيون، دخول الصحفيين تمامًا. ويواجه من يخالف ذلك اتهامات بالتجسس أو مصادرة المعدات.
نتيجة لذلك، أصبحت التغطية تعتمد بشكل متزايد على مصادر محلية محدودة أو صور من الجانب الإسرائيلي، مما يُضعف الرواية المستقلة.
ويقول صحفيون ميدانيون، طالبين عدم الكشف عن أسمائهم لأسباب أمنية "نحن نحاول أن نعيش ونغطي في الوقت نفسه. الخطر لم يعد فقط في القصف، بل في أن وجود الكاميرا نفسه يجعلك هدفًا".
وفي بيانات النعي، أكدت قناة المنار و"صوت الفرح" أن سوزان خليل وغادة الدايخ "استشهدتا أثناء أداء الواجب"، مشددتين على دورهما في نقل أصوات المدنيين والمناطق المتضررة.
أما لجنة حماية الصحفيين، فوصفت الهجمات بأنها "نمط مقلق" يهدد حرية الصحافة في المنطقة بأكملها. وقالت سارة قودة، مديرة الشرق الأوسط في المنظمة "كل صحفي يسقط يُسكت صوتًا يوثق ما يحدث على الأرض، ويُصعب على العالم فهم الواقع بعيدًا عن الدعاية".
ورغم ذلك، يصر عدد محدود من الصحفيين اللبنانيين والأجانب على الاستمرار، مستخدمين تقنيات التصوير عن بعد أو الاعتماد على مصادر موثوقة. لكن الثمن يبقى باهظًا.
ويطرح النزيف المستمر تساؤلات حول مستقبل التغطية الإعلامية للنزاع: هل ستتحول الجبهة الجنوبية إلى "منطقة محظورة" على الصحافة الحرة؟ وهل ستكف الضغوط الدولية عن كونها مجرد بيانات إدانة، أم ستؤدي إلى آليات حماية فعالة؟