ليبيا تجمد عمل عشر منظمات إنسانية دولية بتهمة توطين المهاجرين
أعلنت السلطات الليبية في طرابلس، الأربعاء، تعليق أنشطة عشر منظمات إنسانية دولية وإغلاق مقارها، متهمة إياها بممارسات "عدائية" تسعى إلى "توطين المهاجرين من أصل أفريقي".
وأثار هذا القرار جدلا واسعا على الصعيدين المحلي والدولي، وتسبب في توجيه انتقادات حادة لحكومة الوحدة الوطنية المنتهية ولايتها برئاسة عبدالحميد الدبيبة، وسط مخاوف من تأثيره السلبي على أزمة الهجرة غير النظامية في البلاد.
وجاء القرار الليبي بعدما ندّدت رسالة وجّهها سفراء أجانب إلى السلطات، الأربعاء، بـ"حملة قمع ضد منظمات دولية غير حكومية دولية وعاملين إنسانيين".
ووفق الرسالة، أجبرت ست منظمات إنسانية دولية على الأقل تعمل في ليبيا على تعليق أنشطتها، وتعرّض العاملون معها للتهديد أو أرغموا على الاستقالة.
ووقع الرسالة 17 سفيرا منهم سفراء فرنسا وبريطانيا وإسبانيا وإيطاليا والاتحاد الأوروبي بالإضافة إلى ممثل الأمم المتحدة في ليبيا.
وفي مؤتمر صحافي ترجم إلى الإنجليزية على نحو غير اعتيادي، اتّهم المتحدث باسم جهاز الأمن الداخلي في ليبيا سالم غيث، المنظمات بـ"القيام بأعمال عدائية تقوض سلامة الدولة وأمنها الداخلي".
واعتبر غيث أن هذه المنظمات منخرطة في "خطة توطين المهاجرين من أصل أفريقي في ليبيا"، مشددا على أن هذه الخطة "تعتبر عملا عدائيا يهدف إلى تغيير التركيبة السكانية للبلاد ويهدد المجتمع الليبي".
ورأى أن "هذا المشروع ليس جديدا، فقد حاول الاتحاد الأوروبي نفس الشيء مع النظام القديم عبر إيطاليا"، مشيرا إلى أنه بعد سقوط معمر القذافي ومقتله عام 2011، "غيّر الاتحاد الأوروبي أساليبه ولجأ إلى المنظمات غير الحكومية لتحقيق نفس المشروع"
وقال إن قائمة المنظمات المعنية تشمل المجلس النروجي للاجئين (NRC) والمجلس الدنماركي للاجئين (DRC)، ومنظمتي أطباء بلا حدود وأرض البشر (تير دي زوم) الفرنسية، ومنظمات (تشزفي-آكتد-إنتر سوس)الإيطالية.
وكذلك تشمل قائمة المنظمات التي تم تعليق أنشطتها "الهيئة الطبية الدولية" (IMC) ولجنة الإنقاذ الدولية (IRC)، وفق مصدر قريب من الملف.
وندّد غيث بممارسات مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين، متهما إياها بالتورط في أنشطة غير قانونية. وقال إن وزارة الخارجية ستتخذ إجراءات عقابية بحقها.
واتهم غيث هذه المنظمات بـ"التدخل" في الشؤون الليبية و"غسل الأموال" تحت غطاء العمل الإنساني.
وأشارت رسالة السفراء الموجهة الى وزير الخارجية الليبي الطاهر الباعور والمؤرخة في 27 مارس إلى استدعاء "جهاز الأمن الداخلي ما لا يقل عن 18 من العاملين... مع ست منظمات دولية غير حكومية للاستجواب وصادر البعض من جوازات سفرهم وأجبرهم على الاستقالة من وظائفهم والتوقيع على تعهدات بعدم العمل مجددا وأغلق البعض من مكاتبهم" في طرابلس.
وبحسب مصدر مقرب من الملف، طُلب من الموظفين الأجانب للمنظمات غير الحكومية الدولية مغادرة ليبيا، ولم يعد في إمكان الموظفين الأجانب الموجودين خارج البلاد العودة إليها.
وحضّ الدبلوماسيون في رسالتهم السلطات على السماح للمنظمات "بإعادة فتح مكاتبها واستئناف عملياتها الإنسانية في أقرب وقت ممكن".
وعبّر الموقعون "عن قلق بالغ إزاء الإجراءات المتخذة ضد العاملين لدى المنظمات الدولية غير الحكومية وعمال الإغاثة الإنسانية من قبل جهاز الأمن الداخلي".
ومنذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011، تشهد ليبيا نزاعات وانقسامات وتدير شؤونها حاليا حكومتان متنافستان: الأولى في طرابلس (غرب) برئاسة الدبيبة، والثانية في بنغازي (شرق) برئاسة أسامة حمّاد وتحظى بدعم البرلمان وقائد الجيش الوطني الليبي المشير خليفة حفتر.
ومؤخرا، ندّدت بعثة الأمم المتحدة في ليبيا بموجة "توقيفات تعسفية" في الدولة التي تعاني من فوضى أمنية وانقسام منذ سقوط القذافي، وطالبت بالإفراج "الفوري" عن المحتجزين تعسفا ومحاسبة المسؤولين عن احتجازهم.
ويتهم نشطاء حقوقيون جهاز الأمن الداخلي الليبي وقائده لطفي الحراري بتنفيذ اعتقالات أشبه بعمليات خطف في الشارع وإخفاءات قسرية.
وتمثل ليبيا نقطة عبور رئيسية للمهاجرين الذين يفرون من النزاعات والفقر في بلدانهم، ويتجهون عبر الأراضي الليبية للوصول إلى أوروبا.
وأدى قرار السلطات الليبية بتعليق عمل المنظمات الإنسانية إلى تدهور صورة حكومة الدبيبة في المجتمع الدولي، خاصة في ظل أزمة الهجرة المتفاقمة التي تواجهها البلاد. فقد أثار هذا القرار انتقادات واسعة النطاق، حيث يُنظر إليه على أنه تقويض للجهود الإنسانية التي تبذلها هذه المنظمات لمساعدة المهاجرين.
وقد تسبب القرار أيضًا في تفاقم معاناة المهاجرين في ليبيا، الذين يعتمدون بشكل كبير على المساعدات الإنسانية التي تقدمها هذه المنظمات. ومع تزايد الاتهامات بسوء معاملة المهاجرين في مراكز الاحتجاز، تزداد الضغوط على حكومة الدبيبة لمواجهة هذه الأزمة الإنسانية المتفاقمة.
بالإضافة إلى ذلك، أدى توقف المساعدات الإنسانية إلى تدهور الأوضاع الإنسانية في ليبيا، وتفاقم أزمة الهجرة غير الشرعية، وتدهور العلاقات بين ليبيا والمجتمع الدولي.
ويرى مراقبون أن هذا القرار لن يساهم في حل أزمة الهجرة، بل سيزيد من تعقيدها، فيما تتزايد الدعوات إلى تبني استراتيجيات شاملة لحل أزمة الهجرة، تشمل التعاون الدولي والالتزام بحقوق الإنسان، كما تتزايد المطالبات من الحكومة لتحسين ظروف الاحتجاز للمهاجرين، ومن المجتمع الدولي بالتعاون مع المنظمات الدولية لحل أزمة الهجرة.
إلى جانب ذلك، هناك اتهامات موجهة إلى قادة بعض الميليشيات في ليبيا بسوء معاملة المهاجرين في مراكز الاحتجاز. وقد انتشرت تقارير تفيد بتعرض المهاجرين في هذه المراكز إلى انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، مثل التعذيب، والاعتداءات الجسدية، وظروف احتجاز غير إنسانية. وتلك المعاملة السيئة تضع الحكومة الليبية في مرمى الانتقادات الدولية، وتزيد من تعقيد الوضع القائم.
ويمكن ملاحظة معاناة المهاجرين غير الشرعيين في ليبيا التي تتصاعد يوماً بعد يوم حيث تشير التقارير إلى أن العديد من هؤلاء المهاجرين يُحتجزون في ظروف قاسية داخل مراكز الاعتقال الليبية، حيث يُحرمون من حقوقهم الأساسية ويواجهون تهديدات بالعنف والاستغلال.
كما أن الحكومة الليبية تحت ضغوط مستمرة من المجتمع الدولي لتحسين ظروف الاحتجاز، وضمان معاملة إنسانية للمهاجرين، وهو ما يُعد جزءاً من التزامات ليبيا تجاه الاتفاقيات الدولية الخاصة بحقوق الإنسان.