"وصايا شهرزاد".. نسوية انتقادية ضد واقع متكلس
التيارات الثقافية والفكرية هي حصيلة القراءة النقدية للأنساق السائدة في الواقع المجتمعي المثقل بالموروث التاريخي، لذلك فإن المفاهيم التي تنشأ ضمن الحراك الهادف لإعادة النظر بصلاحية الوثوقيات والثوابت المحددة للتركيبة العقلية. لا تنفصل عن خصوصية البيئة الحاضنة لنواتها وسياقاتها الثقافية والتاريخية. لكن ذلك لا يعني الرفض للمعطيات المنهجية باسم الخصوصية والانكفاء على الحدود الضيقة لأن الأفكار أيا كان مصدرها تحمل بذور العالمية.
من المعلوم أن التيار النسوي قد انطلق من الغرب ورموزه البارزة عاصرت الموجات المعرفية الواعدة بالانقلاب الشامل على الأصعدة كافة. وما لبثت أن طالت ترددات النسوية بقية المجتمعات الواقعة على أطراف المركز الغربي. وتناولتها النصوص الأدبية بأجناسها المتعددة. كما بدأت المحاولات لدراسة النصوص المقدسة من منطلق الفكرة النسوية.
تتابع الكاتبة اللبنانية جمانة حداد قراءتها النقدية للظواهر المهيمنة على واقع المجتمعات العالقة في عنق التاريخ بنفس نسوي. والملاحظ في كتابات حداد أنها تستل من تجربتها الذاتية والمشاهد الحياتية مستنداتها لنقد الواقع والانسداد الفكري. ولا توجد قاعدة تنظيرية تحدد خطها في التناول النقدي. وفي تقديمها لمفهوم النسوية لا تدخل نفق الاشتقاق المصطلحي ولا تفتح باب الاختلافات في التعريف إنما تجمل النسوية في الإيمان بمبادئ الكرامة والتساوي في الحقوق والفرص لكل إنسان.
لم تعد النسوية برأي جمانة حداد مثلما كانت في البداية محدودة أهدافها بانتزاع الحقوق للنساء والإنصاف لدورها اللافت في النهوض الحضاري، بل غدت على مر العقود وتوالي النغمات الفكرية فلسفة إنسانية ترمي إلى رفع الضيم عن كل مضطهد وإعادة الكرامة للمهمش. ولا ينتهي البؤس واللامساواة والطغيان بأوجههما المتعددة قبل القضاء على النظام الأبوي البطريركي. ومن هذا النسق تحفر في أرضية الأخلاقيات الجاثمة على التكوين العقلي والنظرة الحياتية.
عقدة شهرزاد
اختارت جمانة حداد في كتابها "الجنس الثالث" صوت الفيلسوف أفلاطون لمناقشة حزمة من الأفكار مبشرة بظهور نوع جديد من الإنسان الجديد متعافيا من السقم العقلي والروحي وهو يتسامى على كل التصنيفات العرقية والمذهبية والطبقية والجنسية. هذا ما يقوم عليه خطابها في بيانها النبوئي، أما في مؤلفها الصادر حديثا بعنوان “وصايا شهرزاد” فتستعيد شخصية شهرزاد بعد أن أعلنت قلتها، ساعية بذلك للخروج من التبعية لدورها الترويضي.
العودة إلى هذه الشخصية النسائية والرهان على طاقاتها الرمزية والأسطورية وترويسة الوصايا باسمها، ذلك كله يؤكد وجود الشحنة الأوديبية في التواصل مع شهرزاد، إذ تريد الكاتبة تقويض الصورة المستلهمة من راوية الليالي العربية من جهة، وتدرك من جهة أخرى بأن التوسل بحضورها يفتح المجال لتثوير اللغة والقبض على ناصية السرد، والرمي بالأوراق الشخصية على طاولة القصة. وبالتالي لا تقطع جمانة حبلها السري مع شهرزاد بل تسرد في ظلها محطات من تجاربها الشخصية ورحلتها الاكتشافية في مناكب الجسد بالتوازي مع التمرد على المحميات العقائدية.
وإزالة الغطاء على النفاق الاجتماعي الذي زاد شراسة مع الثورة الرقمية، تشير الكاتبة في هذا السياق إلى تعرضها للتنمر الإلكتروني والتعليقات المسيئة على كلامها في الفيديو المتداول وهي تحكي عن الكيل بمكيالين في المجتمع الذكوري وإطلاق الأحكام القاسية على المرأة التي ترغب في ممارسة حريتها الجسدية، بينما يكون ذلك من مواصفات الفحولة بالنسبة إلى الرجل. والأغرب أن من شن عليها هجوما على رؤوس الأشهاد كان يراسل الكاتبة خلف الستار راجيا خطب رضاها.
يأتي التلميح إلى هذا الموضوع في سياق ما ترويه الكاتبة عن ابتلائها بالتحرش، وهي كانت طفلة ومن ثم مراهقة بالغة من العمر خمسة عشر ربيعا، كما يتكرر الموقف ذاته في الجامعة عندما حاول أحد الأستاذة استدراجها باسم المساعدة في مادة الرياضيات، طبعا ما يرد على لسان جمانة يضعنا أمام حقيقة وهي أن اللوثة السلوكية تضرب جميع الفئات على قدم المساواة ولا يحميك التحصيل العلمي من الغباء ولا يداويك من المرض النفسي. كما أن كل ماتستهلكه البيئات الموبوءة من التقنيات الحديثة يزيدها تيها في نفق التخلف.
مروحة النقد في “وصايا شهرزاد” لا يفوتها النظر في العقل الشكلاني الذي يختزل المرأة إلى المظهر وجانبها الإغرائي ويهمل المزايا الإبداعية والعلمية وتطلعاتها الحياتية. وفي الواقع إن هذا الفهم النمطي قد يكون للمرأة دور أكبر في ترسيخه لأن الأنتلجنسيا النسائية تعثرت في إبراز أيقوناتها غير التقليدية، وبالتالي ليس من المستغرب أن تغزوَ الصورة المقولبة ذهنية الرجل.
ما ترفضه حداد هو فرضية تفيد بأن الرجل لا تهمه سوى المغامرة والصيد مقابل توق المرأة للاحتماء بدار الأمان، فبرأيها سممت هذه النظرية طبيعة العلاقات وشوهت شكل الحياة. وما يكسبها بسطة على الواقع الاجتماعي هي اللغة والعرف والدين. لا تقف رحلة الكاتبة عند هذا الحد إنما لائحتها النقدية تشمل البداهات الموجهة لدفة التفكير وآليات الشعور والتفاعل الإنساني.
تخالف صاحبة “بنت الخياطة” ما راج عن الحب بأنه يعادل الأبدية ويبدأ نتيجة المعرفة العميقة بين طرفين، إذ تتبنى رأي آلان دوبوتون فيما يذهب إليه بأن جهلنا لمن نقع في حبه هو تحديدا ما يجعلنا نغامر في الحب، ما يهم في التجربة ليس مدتها الزمنية بل اللامتوقع في احتمالاتها هو ما يجعل الحب حالة متفردة واستثنائية بحيث لا تناسبها الأحكام المسبقة ولا التعريفات الغابرة. والملاحظ في أجندة الكاتبة أنها تفرد الحجج المطبوعة بالنبرة الذاتية على أن النسوية قوام لنجاح الحب والعلاقات الإنسانية.
وما تقوله حداد بهذا الصدد قد يكون مثارا للجدل ويحيل إلى وجه آخر من العقائدية، ولا يعني ذلك أنها تعيش حياتها الشخصية على مقاس ما حددته النسوية، وهي تعترف بأن نسويتها لم تتصالح مع هواها الجنسي، فقد خلط شركاؤها العاطفيون بين شخصيتها الثقافية الهجومية في الواقع وبين مزاجها الحميمي. الأمر الذي حدا بها لاشتقاق تعريفها الشخصي للجنس النسوي وعدم التقيد بالنظرة الذكورية أو النظرية المتحذلقة. كما لا تمتثل للمبدأ النسوي الذي يقتضي بعدم اهتمام المرأة بالمظهر، لأن ذلك مطلب المجتمع البطريركي وسياسته الهادفة إلى سلعنة الجسد الأنثوي.
لا يختم الفصل الذي تتناول فيه الكاتبة نظرتها للجنس قبل الإشارة إلى أن معرفتها بهذا الموضوع كانت من أحد أبوابه الأكثر صدمة وخطورة. أكثر من ذلك تستبطن حداد سايكولوجية الرجل الحميمية موضحة بأن الجنس بالنسبة إليه امتحان يريد التفوق فيه، لذلك تعلن بأنها كانت تتظاهر بالنشوة لتجنيب شريكها الشعور بالأذى. كما تعتقد جمانة بأن الجنس لدى المرأة لا ينفصل عن المستوى النفسي والفكري، فيما يعاني الرجل من متلازمة الطهر والعهر يفصل بين المرأة التي يشتهيها ومنْ يريدها شريكة العمر، ومنشأ هذه الازدواجية برأيها ليس إلا النظرة المحتقرة للجنس.
تدرج حداد الزواج ضمن المواضيع التي تستجلي أبعادها غير المدروسة ولاحظت خلال تجربتها مع المؤسسة الزوجية أن ما يجب أن يتغير هو الميثاق العرفي الذي من بنوده “سأبقى معك إلى الأبد” وتعديله بـ”سأبقى معك طالما استطعت ورغبت”، هنا تنشق الكاتبة عن النسوية المتطرفة معلنة بأن كونها من أنصار هذا التيار فلا يجعلها معادية للرجل، وما نشأَت العقلية الإقصائية في الحراك النسوي إلا نتيجة للتروما التي كابدتها بعض داعياته على المستوى الأسري أو الاجتماعي حسب تفسير مؤلفة “سوبرمان عربي.”
ما ترفضه النسوية كما فهمتها الكاتبة هو الزواج القائم على الأدوار النمطية “المرأة للداخل أي المنزل والأولاد وهو للخارج أي كسب القوت وتحقيق الطموحات”، والمؤرق في العلاقات العاطفية بصرف النظر عن صيغتها الرسمية أو غير الرسمية هو الغيرة إذ لا تنكر حداد بأن هذه الحالة قد رمت بظلها الثقيل على تجاربها العاطفية.
مكر الحياة
ما قاله كامو بأن الإنسان يتعود على العيش قبل أن يتعلمَ على عادة التفكير ينطبق مضمونه على الجميع. والمعروف عن طبيعة الكائن البشري أنه يلعب دور الواعظ بعد أن يختبر مكر الحياة. تؤكد جمانة حداد بأن الأمومة لم تكن ضمن مخططتها الحياتية، كما لم تتخذ تدابير استباقية تقطع بها الطريق على أن تغدوَ أما في المستقبل.
وهي نجحت فعلا في تحقيق طموحاتها بموازاة مكابدات الأمومة، وتؤكد بأن هذه التجربةَ غيرت من نظرتها إلى نفسها وخففت لديها التعنت والعناد، وصارت أكثر رقيا، لكن للمعادلة جزء آخر أن الاكتظاظ السكاني يثير شكها بجدوى الأمومة والإنجاب، وبذلك يتقاطع صوتها مع النغمة الشوبنهاورية نسبة إلى شوبنهاور الذي كان يرى بأن الجنس خدعة الطبيعة ولولا لذته لما استمر النوع البشري. مضيفا بأن بعد المضاجعة تكون ضحكة الشيطان مسموعة.
والحال هذه لا ضير من معرفة رأي صديقة الفلاسفة لو سالومي عن الأمومة وهي لا تتردد عن القول بأن حرمان المرأة من الأمومة يعادل حرمانها بالضرورة من معايشة أهم مقوم من مقومات كونها امرأة حقيقية. علما بأن لو سالومي لم تنجبْ. وما يفهم من منطوق كلامها أن الأمومة تجربة وجودية تؤكد مساهمة المرأة في عملية الخلق وهذا الدور لا يمكن التنظير لإلغائه.
◙ الكاتبة لا تقطع حبلها السري مع شهرزاد بل تسرد في ظلها محطات من تجاربها الشخصية وتمردها
تضيف حداد ظاهرة البغاء المتشابكة مع السياسة والنظام الاقتصادي والاجتماعي إلى حزمة الوصايا، إذ تشير إلى نفوذ بعض عاملات الجنس في الملعب السياسي، محيلة إلى الإيطالية فيرونيكا فرانكو والهولندية ماتا هاري، كما تذكر بأن الرئيس الفرنسي فيليكس فور سلمَ روحه في أحضان مارغريت. وكان جدول زبائن ست عفاف يضم أسماء وزراء ونواب ومسؤولين كبار في الدولة اللبنانية إبان الخمسينات، وشاعت الأخبار في حينها بأن صاحبة المواخير في جميع أنحاء العاصمة لو أرادت لسحبت البساط من تحت أقدام الحكومات.
عدا ذلك تتناول الكاتبة الطبقات النفسية للمرأة التي تمتهن العمل في سوق المتعة، شانّة هجوما لا هوادة فيه على النظام الذي يصبح فيه جسد الأنثى بضاعة. تضع حداد المرأة التي تقاضي روحها بالامتيازات المادية بصيغة شرعية في مستوى المرأة العاملة في الماخور، بل إن الأخيرة أشرف برأيها.
وتنتقل في “وصايا شهرزاد” الأخيرة إلى مقارعة المعقل السياسي الحافل بالصراع على السلطة والأسبقية والنفوذ، ولا يبدو بأن مناخه سيكون أهدأ بوجود الوجوه النسوية، وتنتقد السياسيات اللائي لا يكون لهن دور سوى تلميع الواجهة. وتدير الإضاءة إلى الرجل النسوي والمرأة الذكورية ولا يغيب الزمن وعلاماته البارزة على الجسد والمذاق في مدى تفكير الكاتبة.
طالما موضوع الحديث هو النسوية لا إشكالية في العودة إلى سيمون دوبوفوار صاحبة المقولة الشهيرة “المرأة لا تولد امرأة، لكنها تصير كذلك”، وهي التي ألهمت طيفا واسعا من النساء بثورتها على أن تكون المرأة حبيسة المطبخ، لكن في رسائل متبادلة مع عشيقها الأميركي نيلسون ألغرين تبوح للأخير بشوقها الحارق، واعدة بأن تكون له امرأة مطيعة طاعة المرأة العربية، وتطبخ جميع أنواع الطعام، وتقوم بدورها مربية المنزل ومنظفة. هذا عدا ما تسطره في الرسائل من العبارات الغرامية التي قد لا تناسب مواصفات المرأة التي كانت تدعو إليها تنظيريا.
ليس الغرض من هذا الاستطراد انتقاصا من النسوية ولا رائداتها بقدر ما هو تذكير بحقيقة التناقضات التي تشوب المفاهيم الفكرية والمشاريع الواعدة، كما من المتوقع أن يخالفَ رجل الدين منهجه الذي يستمد به نفوذه أو يخون اليساري الذي يتشدق بمقولات إمامه ماركس أو أنغلز مبدأه، كذلك من السذاجة التوهم بأن المرأة النسوية لا تقع في فخ التناقض بين حياتها العملية وأفكارها المنضدة في النظريات وذلك ما لا يخلو منه كتاب جمانة حداد، وهذا طبيعي لأنها قبل أن تكون امرأة أو أنثى هي إنسان والإنسان كما قال التوحيدي أشكل على الإنسان.