هل فتحت إثيوبيا جبهة خلفية للدعم السريع؟
تدخل الحرب السودانية مرحلة أكثر تعقيداً مع اشتعال جبهة النيل الأزرق جنوب شرقي البلاد، حيث تتصاعد المواجهات بين الجيش وقوات الدعم السريع، وسط مؤشرات على انتقال الصراع إلى منطقة شديدة الحساسية قرب الحدود الإثيوبية.
ولم يعد التصعيد مقتصراً على المعارك الميدانية بين الأطراف السودانية، إذ رافقته اتهامات مباشرة من الخرطوم لإثيوبيا بتسهيل تحركات عسكرية وهجمات لقوات الدعم السريع انطلاقاً من مناطق حدودية، ما يثير المخاوف من تحول الحرب الداخلية إلى أزمة إقليمية جديدة.
ودفع الجيش السوداني، السبت، بتعزيزات عسكرية إلى محور بكوري، شملت «لواء النخبة» التابع لجهاز المخابرات العامة، في مؤشر على حجم التهديد الذي باتت تمثله الجبهة الجديدة. وجاء ذلك بعد إعلان قوات الدعم السريع سيطرتها على قاعدتين عسكريتين جنوب شرقي مدينة الدمازين، عاصمة ولاية النيل الأزرق.
ورغم عدم صدور تأكيد مستقل لهذه السيطرة، فإن تحرك الجيش السريع لتعزيز مواقعه يعكس محاولة لمنع خصومه من تحقيق اختراق يمكن أن يضع الدمازين تحت ضغط عسكري مباشر.
وتكتسب المعركة أهمية استثنائية بسبب موقع النيل الأزرق. فالولاية تقع على تماس مباشر مع إثيوبيا، فيما تمثل الدمازين مركزاً إدارياً وعسكرياً مهماً للسلطة السودانية في المنطقة. كما أن وجود الحركة الشعبية لتحرير السودان-شمال في المشهد يضيف طبقة أخرى من التعقيد إلى حرب بدأت أساساً بين الجيش وقوات الدعم السريع.
لكن التطور الأكثر خطورة جاء من الاتهامات السودانية الموجهة إلى إثيوبيا.
فقد اتهم مجلس السيادة السوداني أديس أبابا بالسماح لقوات الدعم السريع بتنفيذ هجمات على ولاية النيل الأزرق انطلاقاً من قاعدة عسكرية إثيوبية، بالتزامن مع تقارير عن زيارة محتملة لقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو، المعروف بـ«حميدتي»، إلى أديس أبابا.
وقال مستشار رئيس مجلس السيادة أمجد فريد إن الأنشطة اللوجستية والعسكرية المرتبطة بقوات الدعم السريع في مدينة أصوصا القريبة من الحدود السودانية موثقة بصور أقمار اصطناعية وتحليلات مستقلة.
وتزامنت هذه التصريحات مع تقرير صادر عن مختبر الأبحاث الإنسانية في جامعة ييل الأمريكية، رصد تصاعداً ملحوظاً في النشاط العسكري داخل قاعدة تابعة لقوات الدفاع الوطني الإثيوبية في أصوصا.
وبحسب التقرير، شهدت القاعدة زيادة كبيرة في العتاد والمركبات العسكرية خلال الأيام الأخيرة من أغسطس/آب، بما يكفي لنقل قوة يتراوح قوامها بين 750 وألف عنصر.
ولا يشكل هذا الرصد دليلاً مباشراً على مشاركة إثيوبيا في الحرب السودانية، لكنه يعزز المخاوف من تحول المناطق الحدودية إلى منصة عسكرية ذات دور متزايد في الصراع.
القتال الذي تركز لفترات طويلة في دارفور وكردفان يقترب الآن من الحدود الشرقية، بما يفرض على الجيش توزيع قواته على جبهات متباعدة.
وتكمن المشكلة في أن أي نشاط عسكري استثنائي قرب الحدود بات يُقرأ في الخرطوم ضمن سياق الحرب مع قوات الدعم السريع، خصوصاً مع تزامنه مع تقدم ميداني للقوات المناوئة للجيش داخل ولاية النيل الأزرق.
ولم يتوقف التصعيد عند تحركات القوات البرية. فقد أعلن الجيش السوداني إسقاط طائرة مسيرة وصفها بأنها «استراتيجية ومعادية» في منطقة سركم، مؤكداً أنها عبرت الحدود من إثيوبيا.
وقال الجيش إن هذه هي الطائرة الثالثة التي يتم إسقاطها خلال أسبوع، بينما اتهمت وزارة الخارجية السودانية إثيوبيا بالسماح بعبور مسيرات من أراضيها لاستهداف مواقع سودانية.
وأعلنت الخارجية امتلاكها «أدلة قاطعة» على هذه الاعتداءات، في لهجة تكشف ارتفاع مستوى التوتر بين البلدين.
لكن أديس أبابا سارعت إلى النفي. وقال مستشار رئيس الوزراء الإثيوبي لشؤون شرق إفريقيا رضا غيتاشيو إن بلاده تحترم سيادة السودان ووحدة أراضيه، وترفض التدخل في شؤونه الداخلية.
واعتبر المسؤول الإثيوبي أن الاتهامات السودانية تمثل محاولة لـ«تدويل أزمة داخلية»، في موقف يعكس حرص أديس أبابا على عدم الانجرار رسمياً إلى حرب الجوار.
يمثل فتح جبهة قوية في النيل الأزرق تحولاً مهماً في مسار الحرب السودانية. فالقتال الذي تركز لفترات طويلة في دارفور وكردفان يقترب الآن من الحدود الشرقية، بما يفرض على الجيش توزيع قواته على جبهات متباعدة.
وفي المقابل، يبدو أن قوات الدعم السريع تسعى إلى استغلال اتساع رقعة البلاد وتعدد بؤر التوتر لفتح مسارات جديدة للضغط على الجيش.
غير أن أخطر ما في التطورات الحالية هو البعد الإقليمي. فاستمرار الاتهامات لإثيوبيا، من دون معالجة سياسية واضحة، قد يدفع العلاقات بين الخرطوم وأديس أبابا إلى مرحلة جديدة من التوتر.
وبين التعزيزات المتجهة إلى بكوري، والضغط العسكري على الدمازين، والاتهامات بشأن النشاط في أصوصا، تبدو النيل الأزرق مرشحة للتحول إلى واحدة من أكثر جبهات الحرب السودانية حساسية.
لم تعد المعركة هناك تدور فقط حول السيطرة على قاعدة أو مدينة، بل حول سؤال أكبر: هل ستبقى الحرب السودانية داخل حدودها، أم أن اشتعال الجبهة الإثيوبية سيفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الصراع الإقليمي؟