ما بعد أزمة هرمز.. سوق الطاقة في آسيا نحو خيارات أوسع

وكالة أنباء حضرموت

كشفت أزمة مضيق هرمز، مدى هشاشة البنية التحتية في نظام الطاقة العالمي.

واعتبر محللون أن أزمة مضيق هرمز، التي اندلعت على خلفية الحرب بين إيران والولايات المتحدة، كشفت عن مدى اعتماد الاقتصاد العالمي، ولا سيما الاقتصادات الآسيوية، على ممر مائي ضيق لا يتجاوز عرضه 20 ميلًا، لكنه يمثل شريانًا رئيسيًا لتدفقات النفط والغاز من الشرق الأوسط إلى الأسواق العالمية.

وقال تقرير نشرته مجلة "فورتشن" إن احتمالات حدوث نقص في إمدادات الطاقة المنقولة عبر المضيق أثارت موجة من الإجراءات الطارئة في مختلف أنحاء آسيا، شملت فرض حظر على بعض الصادرات، وخفض رسوم الاستيراد، وبدء ترشيد استهلاك الوقود بهدف الحفاظ على الإمدادات المتاحة.

ما بعد «هرمز».. كيف تعيد دول الخليج رسم مسارات صادرات النفط؟

«جرس إنذار» لقطاع الطاقة العالمي
وبعد مرور 6 أشهر على اندلاع الحرب، لم تتحقق بالكامل السيناريوهات الكارثية التي حذر منها محللون في بداية الأزمة، والتي تضمنت ارتفاعات حادة في أسعار الطاقة، وطوابير طويلة أمام محطات الوقود، وانقطاعات في الكهرباء، وإلغاء أو توقف الرحلات الجوية، وذلك بعدما ساهم ارتفاع الإنتاج وتوافر مخزونات كبيرة من الطاقة في الحد من بعض تداعيات الأزمة.

وارتفعت أسعار النفط بالفعل إلى مستويات بلغت 126 دولارًا للبرميل، لكنها لم تصل إلى نطاق 150 إلى 200 دولار للبرميل الذي كان بعض المحللين يخشونه.

وقال رئيس أبحاث الطاقة في شركة MST Financial، سول كافونيتش، إن السوق العالمية أثبتت قدرة أكبر على الصمود أمام صدمات الإمدادات الكبيرة مما كان يعتقده كثيرون.

وكان أحد أهم أسباب ذلك هو الحجم الكبير من النفط الموجود في الاحتياطيات.

وقبل اندلاع الحرب، كان نحو خُمس تجارة النفط العالمية يمر عبر مضيق هرمز، وكانت أكثر من 80% من هذه الشحنات تتجه إلى آسيا، وعلى رأسها الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية.

وأضاف كافونيتش إن إمدادات النفط والغاز العالمية لا تزال تمثل أداة رئيسية للنفوذ الجيوسياسي، مشيرًا إلى أنه رغم صعود التقنيات البديلة والخضراء خلال العقد الماضي، فإن الاقتصاد العالمي لا يزال يعتمد بدرجة كبيرة على النفط والغاز.

ووصف كافونيتش تطورات الأزمة بأنها «جرس إنذار كبير» لقطاع الطاقة العالمي بأكمله، معتبرًا أنه يمثل تحولًا جوهريًا في النموذج الذي حكم صناعة الطاقة على مدى السنوات الخمسين الماضية.

التحوط للمستقبل
وقال كافونيتش إن العالم ينتقل من سلاسل إمداد تعتمد على مبدأ «في الوقت المناسب» إلى سلاسل إمداد تقوم على مبدأ «الاحتياط تحسبًا للحاجة».

وفي هذا السياق، بدأ مستوردو الطاقة في تنويع مصادرهم.  وقال كافونيتش إن اليابان اكتشفت أنها أكثر عرضة للخطر مما كانت تتوقع، ولا سيما فيما يتعلق بالغاز الطبيعي المسال، مشيرًا إلى أن اليابان تستورد 100% من احتياجاتها من الطاقة، وأن عدم وصول شحنات الغاز الطبيعي المسال يعني عمليًا انقطاع الكهرباء وتوقف البلاد.

وبدأت طوكيو، نتيجة لذلك، الاستثمار في مناطق أخرى لتأمين إمداداتها المستقبلية. ومن بين هذه الخطوات، أن شركة «إنبكس» اليابانية شكلت مشروعًا مشتركًا لتوسيع استثماراتها في الغاز الطبيعي المسال في الإقليم الشمالي بأستراليا.

ويرى كافونيتش أن الأزمة تمثل فرصة كبيرة لشركتي «وودسايد» و«شيفرون»، وهما من كبار اللاعبين في سوق الغاز الطبيعي المسال، ولا تتركز استثماراتهما بدرجة كبيرة في الشرق الأوسط.

وأشار إلى أن شركات النفط الكبرى تعمل حاليًا أيضًا على زيادة استثماراتها في الغاز الطبيعي المسال بوتيرة سريعة، في ظل توجه المشترين إلى تنويع مصادر الغاز.

المنتجون والطرق البديلة

ولا يقتصر اتجاه التنويع على مستوردي الطاقة، إذ بدأ المصدرون أيضًا إعادة تقييم طرق تصدير النفط والغاز. وبالنسبة إلى مصدري النفط، تمثل الدرس الرئيسي من الأزمة في ضرورة الاستثمار في طرق بديلة للإمدادات. ويشمل ذلك ضخ مليارات الدولارات في تطوير موانئ على الجانبين الغربي للمملكة العربية السعودية وخليج عُمان، بما يسمح عمليًا بتجاوز مضيق هرمز بالكامل.

كما يستثمر منتجو النفط في خطوط أنابيب بديلة، ومن بينها خط أنابيب «شرق-غرب» السعودي. وإذا نجحت هذه الاستثمارات الإضافية في تحقيق أهدافها، فإن نحو 10% فقط من النفط العالمي سيحتاج إلى المرور عبر مضيق هرمز، مقارنة بنحو 20% قبل اندلاع الحرب.

الصين تعزز نفوذها في سوق النفط

لكن الصين، بحسب كافونيتش، ربما كانت «البطل غير المعروف» في سوق النفط خلال الأزمة، إذ لجأت إلى مخزوناتها الضخمة، ما ساهم في إبقاء مزيد من النفط متاحًا في الأسواق أمام الاقتصادات الأخرى.

ويرى كافونيتش أن زيادة نفوذ الصين في أسواق النفط سيكون له تأثيرات واسعة على منطقة المحيط الهادئ.

وأوضح أن الأزمة كشفت مدى اعتماد دول جزر المحيط الهادئ على وقود الديزل لتوفير الكهرباء واستمرار الخدمات الأساسية، ولذلك لم تعد الدول الآسيوية مطالبة بإدارة وارداتها من الطاقة فقط، بل اضطرت أيضًا إلى دعم دول المحيط الهادئ.

وقال كافونيتش إن العالم أمضى الأشهر الأربعة الماضية في الاعتماد على ما وصفه بـ«بطاقة ائتمان سوق النفط»، محذرًا من أنه إذا استمر السحب من هذه الاحتياطيات بالمعدل نفسه، فإن «بطاقة الائتمان» ستصل إلى الحد الأقصى خلال بضعة أشهر.

وفي ظل هذه التطورات، باتت أزمة مضيق هرمز تتجاوز كونها أزمة مؤقتة في تدفقات النفط والغاز، لتصبح عاملًا يدفع أسواق الطاقة الآسيوية إلى إعادة بناء استراتيجياتها على أساس تنويع المصادر، وزيادة المخزونات، وتطوير طرق تصدير بديلة، وتقليل الاعتماد على ممر واحد يمكن أن يؤدي تعطيله إلى اضطراب واسع في الأسواق العالمية.