مضيق هرمز.. تاريخ من صنع الثروات والتحكم في اقتصاد العالم
يقع مضيق هرمز في الأقصى الجنوبي الشرقي للخليج العربي، محشوراً بين الساحل الإيراني وشبه جزيرة مسندم العمانية، بعرض يصل عند أضيق نقطة فيه إلى نحو 34 كيلومتراً، وهو المنفذ البحري الوحيد إلى الخليج العربي الذي تطل عليه 8 دول.
من الناحية الجيولوجية، لم يكن الخليج العربي موجوداً قبل 20 ألف عام خلال العصر الجليدي، بل كان وادياً خصباً يجري فيه نهر يجمع مياه دجلة والفرات، فيما يطلق عليه العلماء "واحة الخليج".
«على العالم أن يشعر بالقلق».. تحذير عاجل من «وكالة الطاقة» بشأن مضيق هرمز
ومع انقضاء العصر الجليدي قبل 8 آلاف سنة وارتفاع منسوب البحار، غمرت المياه الوادي.
ونظراً لكون الخليج بحراً ضحلاً "متوسط عمقه 35-45 متراً" ومع شدة الحرارة وقلة الأمطار، كان الخليج مهدداً بالتحول إلى بحر ميت عالي الملوحة.
وهنا تكمن الأهمية الطبيعية للمضيق؛ فهو ليس مجرد مدخل، بل هو "رئة الخليج العربي" التي تتدفق عبرها المياه العذبة من المحيط الهندي.
وعلى الرغم من ضيقه، فإن عمقه يمتد بين 60 إلى 100 متر، وهو عمق كافٍ لمرور أكبر ناقلات النفط في العالم وفق نظام ملاحي صارم
تاريخ من الثراء والصراع الاستعماري
يعود اسم المضيق في الأرجح إلى "مملكة هرمز"، المملكَة التجارية العربية التي تأسست وازدهرت بين القرنين 13 و16 الميلاديين. ورغم بيئتها الصحراوية القاسية، أصبحت واحدة من أغنى ممالك الأرض بفضل سيطرتها الكاملة على بوابة التداول التجاري بين الهند وفارس والعراق وشرق أفريقيا.
ماركو بولو وابن بطوطة.. شهادات على ثراء هرمز
زار الرحالة الإيطالي ماركو بولو المملكة وكتب عن ثرائها الفاحش وتجارة التوابل والأحجار الكريمة والحرير. كما وصفها ابن بطوطة في القرن الـ14 بأنها "مرسى الهند والسند"، حتى قيل فيها المثل الشهير: "لو كانت الدنيا كلها خاتماً من ذهب، لكانت هرمز الجوهره فيه".
من البرتغال إلى "البحيرة البريطانية"
دفعت هذه الثروة قائد الحملات البرتغالي أفونسو دي ألبوكيرك لاحتلال هرمز عام 1507. وظل البرتغاليون فيها حتى عام 1622 حين تحالف الإنجليز مع الشاه عباس الأول الصفوي وطردوهم منها.
لاحقاً، ومع تأسيس شركة الهند الشرقية وتعاظم تجارة اللؤلؤ الطبيعي، عقدت بريطانيا معاهدات مع شيوخ الساحل عام 1892، ليتحول الخليج إلى ما يشبه "بحيرة مغلقة أمام القوى المنافسة".
تحول الرهان.. من اللؤلؤ إلى "الذهب الأسود"
شهدت ثلاثينيات القرن الماضي انهياراً دراماتيكياً لاقتصاد المنطقة المعتمد على اللؤلؤ، إثر نجاح اليابانيين في استزراع اللؤلؤ الصناعي، بالتزامن مع تداعيات الكساد الكبير عام 1929، مما أفقد اللؤلؤ الطبيعي نحو 97% من قيمة صادراته وترك عشرات الآلاف دون عمل.
لكن في عام 1932، اندلعت نقطة التحول الكبرى باكتشاف النفط بكميات ضخمة في البحرين، ثم في السعودية والكويت. وتوالت الاكتشافات لتثبت أن المنطقة تضم 50% من احتياطي النفط التقليدي في العالم، وتنتج ثلث الإنتاج العالمي اليومي.
20 مليون برميل وبلا باب طوارئ
بحسب بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية (EIA):
النفط:
يمر عبر مضيق هرمز يومياً نحو 20 مليون برميل من النفط ومشتقاته، ما يعادل 20% (خمس) الاستهلاك العالمي اليومي.
هذا التدفق يعادل ملء أكثر من 1200 حمام سباحة أولمبي بالنفط يومياً (أو حمام أولمبي كامل كل دقيقة).
الغاز الطبيعي:
يمر عبر المضيق نحو 20% من إجمالي الغاز الطبيعي المسال في العالم، وهو المسؤول عن تدفئة المنازل وتشغيل محطات الكهرباء من طوكيو إلى أوروبا.
لماذا لا يوجد بديل؟
على عكس الممرات المائية الحيوية الأخرى التي حفرها الإنسان كـ قناة السويس (التي عندما أُغلقت بين 1967 و1975 التحمت السفن حول طريق رأس الرجاء الصالح) أو قناة بنما، لا يوجد للخليج العربي أي ممر بحري بديل على الإطلاق.
وحتى البدائل البرية المتمثلة في خطوط الأنابيب تستوعب ثلث كمية النفط التي تعبر المضيق، في حين لا يوجد أي خط أنبوب بديل للغاز المسال.
لقد وضعت البشرية خُمْس طاقتها في غرفة ليس لها سوى باب واحد، ودون أي باب للطوارئ؛ مما يجعل مضيق هرمز -في كل عصر وزمان- الجوهرة الثابتة والمحرك الأساسي لرموز الاقتصاد العالمي.