الصراع على الإعلام الوطني يعكس انقسامات عميقة في هرم السلطة الإيرانية
في خطوة تعكس عمق الاستقطاب داخل هرم السلطة الإيرانية، أشاد القائد العام للحرس الثوري الإيراني، أحمد وحيدي، بأداء هيئة الإذاعة والتلفزيون الرسمية (الإعلام الوطني) خلال الحرب مع الولايات المتحدة، مؤكداً دورها الفاعل في تعزيز “الجبهة الإعلامية”.
وجاءت الإشادة في رسالة موجهة إلى رئيس الهيئة بيمان جبلي، وصف فيها وحيدي جهود المؤسسة بأنها “جهد قيّم”، في وقت تواجه فيه الهيئة انتقادات حادة من الرئيس مسعود بزشكيان ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف.
يأتي هذا الدعم في سياق صراع نفوذ أوسع بين الحرس الثوري من جهة، والقيادة المدنية المنتخبة من جهة أخرى، خاصة بعد التطورات الدراماتيكية التي شهدتها إيران منذ أوائل عام 2026، بما في ذلك اغتيال المرشد السابق علي خامنئي واندلاع مواجهات عسكرية مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
وأصبح وحيدي، الذي ثبت رسمياً قائداً للحرس، إحدى الشخصيات الأكثر نفوذاً في النظام، ويُنظر إلى دعمه للتلفزيون الرسمي كرسالة واضحة بتحالف المؤسسات الصلبة ضد أي محاولات لإصلاح أو تقييد الخطاب الإعلامي الرسمي.
وتعود جذور الخلاف مع بزشكيان إلى أشهر سابقة. انتقد الرئيس مراراً أداء الهيئة، معتبراً أنها تقدم صورة “غير واقعية” عن الأوضاع الداخلية، ودعا في مايو 2026 إلى إصلاح شامل وجاد.
وتصاعدت المواجهة في يوليو، عندما اتهم مكتب الرئاسة الهيئة بحذف أجزاء من مقابلة تلفزيونية تحدث فيها بزشكيان عن تعليمات سرية كان قد أصدرها المرشد الراحل خامنئي للمسؤولين بالتفاوض مع واشنطن، رغم الرفض العلني للمفاوضات. لم تقدم الهيئة تفسيراً رسمياً واضحاً للحذف، مما عزز اتهامات الانتقائية.
أما قاليباف، فقد دخل في مواجهة مباشرة أيضاً. في يوليو الماضي، قطعت الهيئة بشكل مفاجئ بث مقابلة مسجلة مسبقاً معه، بينما كان يتحدث عن الإفراج عن أصول إيرانية مجمدة في الخارج تُقدر بنحو 300 مليار دولار، وعن عمليات تفتيش محتملة للوكالة الدولية للطاقة الذرية، وردوده على تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب. أصدر البرلمان بياناً اتهم فيه الهيئة بالرقابة، مشيراً إلى حذف نحو 20 دقيقة من المحتوى الحساس سياسياً. جدد قاليباف انتقاداته هذا الأسبوع، قائلاً إن الهيئة لم تحقق النتائج المطلوبة في “الحرب المعرفية”، مشيراً إلى قصور هيكلي ومنهجي وأدائي.
تعكس هذه المواجهات طبيعة مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في إيران. تخضع الهيئة مباشرة لإشراف مؤسسة القيادة (المرشد)، لا للحكومة، رغم حصولها على ميزانيات ضخمة من الخزانة العامة.
ويرى المسؤولون الحكوميون أن هذا الدعم المالي يجب أن يقابله انسجام مع سياسات السلطة التنفيذية، خاصة في ظل ظروف الحرب والأزمة الاقتصادية. في المقابل، تعتبر الهيئة نفسها “المنبر الرسمي” للنظام، الملتزم بالثوابت مثل “مواجهة الاستكبار” والدفاع عن مبادئ الثورة، وليست ملزمة بتأييد كل توجهات الحكومة، خصوصاً إذا بدت مائلة نحو التفاوض أو الانفتاح.
ويمتد الصراع إلى ما هو أبعد من الإعلام. أفادت تقارير سابقة، نقلتها مصادر مقربة من مكتب الرئاسة، بأن بزشكيان اتهم وحيدي وقادة آخرين في الحرس بالتصرف بشكل أحادي خلال الحرب، وتقويض فرص وقف إطلاق النار، ودفع البلاد نحو كارثة اقتصادية.
من جانبهم، يرى قادة الحرس أن الضغوط العسكرية والدبلوماسية يجب أن تسير جنباً إلى جنب، وأن أي تراجع إعلامي أو سياسي قد يضعف موقف إيران التفاوضي.
وفي الوقت نفسه، أشارت تحليلات إلى أن بزشكيان وقاليباف يدفعان باتجاه إنهاء الحرب من موقع قوة نسبية، بينما يبدو الحرس أكثر ميلاً إلى إطالة أمد المواجهة أو على الأقل الحفاظ على لهجة تصعيدية.
يأتي دعم وحيدي للتلفزيون الرسمي في هذا السياق كتعزيز لموقع المؤسسة الإعلامية داخل معسكر “المتشددين”. فالهيئة لعبت دوراً مركزياً في صياغة الرواية الرسمية خلال الحرب، مركزة على الصمود والانتصارات والوحدة الوطنية، مع التقليل من الخسائر الاقتصادية والإنسانية أو تقديمها في إطار “التضحيات الضرورية”.
أما الانتقادات الموجهة إليها فتعكس مخاوف من أن الخطاب الرسمي يبتعد عن واقع الشارع، الذي يعاني تضخماً مرتفعاً وانخفاضاً في القدرة الشرائية وبطالة متزايدة.
ويُبرز هذا السجال حدود صلاحيات المؤسسات المنتخبة في إيران. فالرئيس والبرلمان، رغم انتخابهما، يجدان صعوبة في التأثير على مؤسسات تخضع مباشرة للمرشد أو للحرس الثوري. ومع غياب مرجعية حاسمة في بعض المراحل بعد وفاة خامنئي وظهور المرشد الجديد مجتبى خامنئي، ازدادت حدة التنافس على صياغة السياسات والخطاب العام.
ويرى مراقبون أن دعم الحرس للتلفزيون ليس مجرد إشادة بأداء إعلامي، بل جزء من إعادة ترتيب موازين القوى الداخلية، حيث يسعى “الحرس القديم” والمتشددون إلى تحصين المواقع الاستراتيجية ضد أي انفتاح محتمل.
ويكشف دعم أحمد وحيدي لهيئة الإذاعة والتلفزيون عن استمرار الانقسامات العميقة داخل النظام الإيراني. فبينما يحاول بزشكيان وقاليباف إدارة تداعيات الحرب اقتصادياً ودبلوماسياً، يتمسك الحرس والمؤسسات المرتبطة به بالرواية الصلبة والسيطرة على أدوات التأثير الجماهيري.