تونس تعبر اختبار الديون بعيدا عن صندوق النقد.. قرار مصيري أنقذ الاقتصاد

وكالة أنباء حضرموت

رغم الضغوط المالية وارتفاع أعباء الدين، تمكنت تونس من تجاوز أحد أصعب استحقاقاتها التمويلية، محافظة على استقرار احتياطيات النقد الأجنبي ومواصلة الوفاء بالتزاماتها الخارجية، في مؤشر يعكس متانة الإدارة المالية.

وأعلن البنك المركزي التونسي، في بيان حديث، أن تونس أوفت بجميع التزاماتها المالية الخارجية، وحافظت على مستوى مريح من احتياطي النقد الأجنبي، إلى جانب مواصلة جهودها الرامية إلى كبح التضخم والحفاظ على استقرار سعر صرف الدينار.

ويحتفظ البنك المركزي التونسي باحتياطي مريح من العملة الأجنبية يغطي نحو 105 أيام من الواردات.

كما واصلت السلطات تنفيذ سياساتها الرامية إلى السيطرة على معدلات التضخم والحفاظ على استقرار سعر الصرف. ويرى مراقبون أن هذه المؤشرات تعزز ثقة المستثمرين والشركاء الماليين الدوليين، لا سيما بعد نجاح تونس في سداد أقساط كبيرة من ديونها الخارجية قبل حلول يونيو/حزيران، دون تسجيل أي تعثر.

ووفقا للجدول الزمني للدين الخارجي خلال عام 2026، تستعد السلطات خلال الشهر الجاري لسداد أكثر من ربع الديون الخارجية المستحقة دفعة واحدة، من خلال تسديد قسط قرض "يوروبوند" المقوم باليورو، والبالغة قيمته أكثر من 2.4 مليار دينار (نحو 827 مليون دولار)، إضافة إلى دفعة تُقدر بنحو 59 مليون دولار لصالح صندوق النقد الدولي.

ويمثل هذا الاستحقاق نحو 30.4% من إجمالي خدمة الدين الخارجي المجدولة خلال عام 2026، والتي تُقدر بنحو 7.9 مليار دينار (نحو 2.7 مليار دولار).

ويتزامن سداد هذا الاستحقاق مع ذروة إيرادات الموسم السياحي، وتحويلات التونسيين المقيمين بالخارج، وعائدات صادرات زيت الزيتون، وهو ما يحد من الضغوط على احتياطي النقد الأجنبي ويجنب البلاد تراجعًا حادًا في احتياطياتها.

سياسة التعويل على الذات
وقال الخبير الاقتصادي التونسي رابح بوراوي، في تصريحات لـ"العين الإخبارية"، إن تونس نجحت في الوفاء بالتزاماتها المالية في مواعيدها المحددة، موضحًا أن القرض الذي ستسدده البلاد خلال شهر يوليو سيكون بالعملة الأجنبية.

وأكد أن الحكومة التونسية اختارت انتهاج سياسة "التعويل على الذات" إلى جانب ضبط الإنفاق العام، لتجنب سيناريوهات مالية أكثر تعقيدًا، والوفاء بجميع التزاماتها الخارجية دون الحاجة إلى اللجوء لتمويلات جديدة من صندوق النقد الدولي.

وأشار إلى أن تونس نجحت في تفادي تطبيق حزمة الإصلاحات الصارمة التي كان يشترطها صندوق النقد الدولي، وعلى رأسها رفع الدعم عن المواد الأساسية والمحروقات، وخصخصة عدد من المؤسسات العمومية المتعثرة، وذلك حفاظًا على الاستقرار الاجتماعي والسلم الأهلي.

وأضاف أن الدولة تمكنت من الحفاظ على استقرار احتياطي النقد الأجنبي بفضل الإيرادات الموسمية المتأتية من قطاع السياحة، وتحويلات التونسيين بالخارج، وصادرات زيت الزيتون والتمور.

وأوضح بوراوي أن سياسة التعويل على الذات تمثل خيارًا ناجحًا لحماية استقلالية القرار الوطني وتجنب الانزلاق إلى أزمة مالية، لكنها تبقى غير كافية لتحقيق معدلات نمو اقتصادي قوية ومستدامة، في ظل محدودية الاستثمار وغياب الانفتاح على المؤسسات المالية الدولية.

القرض الأخير
من جانبه، أكد المحلل المالي معز حديدان أن تونس تستعد، خلال منتصف الشهر الجاري، لسداد آخر قرض كبير في الأسواق المالية العالمية، والمتمثل في قرض بقيمة 700 مليون يورو حصلت عليه عام 2019.

وأوضح أن الكلفة الإجمالية لسداد هذا القرض ستبلغ نحو 2.3 مليار دينار، تشمل أصل الدين والفوائد المستحقة.

وأشار إلى أن سداد هذا القسط ستكون له تأثيرات محدودة على احتياطي النقد الأجنبي وسعر صرف الدينار، مؤكدا أن هذه التأثيرات سيتم تعويضها بفضل الإيرادات المنتظرة من الموسم السياحي، وتحويلات التونسيين بالخارج خلال فصل الصيف، إلى جانب عائدات الصادرات.

وأوضح حديدان أن إجمالي الدين العمومي ارتفع من 83 مليار دينار عام 2019 إلى 141 مليار دينار في عام 2025، لكنه لفت إلى أن هيكل الدين شهد تحولا ملحوظا.

وبيّن أنه في عام 2019 كان الدين الخارجي يمثل نحو 70% من إجمالي الدين العمومي، مقابل 30% فقط للدين الداخلي، بينما انقلبت المعادلة في عام 2025، إذ أصبح الدين الداخلي يمثل نحو 60% من إجمالي الدين، مقابل 40% للدين الخارجي.

خريطة الدين في 2026
وتكشف خريطة الدين العام التونسي خلال عام 2026 أن الحكومة كانت مطالبة، خلال شهري فبراير ومارس/آذار الماضيين، بسداد أكثر من 2.5 مليار دينار (نحو 862 مليون دولار) لصالح البنوك المحلية.

وتُظهر وثيقة تفصيلية للدين العام، أعدتها مؤسسة "تيرا فايننس" استنادًا إلى بيانات وزارة المالية، ومؤسسة تونس للمقاصة، وبورصة لوكسمبورغ، أن الدولة ستسدد خلال عام 2026 نحو 7.9 مليار دينار كأصل للدين الداخلي، إضافة إلى 5.6 مليار دينار فوائد.

وفي المقابل، ستسدد تونس نحو 7.9 مليار دينار كأصل للدين الخارجي، فضلًا عن 1.6 مليار دينار فوائد مستحقة.

وعلى صعيد التمويل المحلي، تشير التقديرات إلى أن الحكومة التونسية تعتزم تعبئة أكثر من 19 مليار دينار من السوق المحلية خلال عام 2026، في إطار خطتها لتغطية احتياجات التمويل والمحافظة على استقرار المالية العمومية.