من الشراء إلى التصنيع.. ألمانيا تطلب «مفاتيح» السلاح الأمريكي
في خطوة تعكس التحولات المتسارعة في المشهد الأمني الأوروبي، تسعى ألمانيا إلى إقناع الولايات المتحدة بفتح الباب أمام تصنيع مزيد من الأسلحة الأمريكية على الأراضي الأوروبية، في إطار رؤية جديدة تقوم على "الإنتاج المشترك" بدلاً من الاكتفاء بعقود الشراء.
تأتي هذه المساعي قبيل قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وسط مساعٍ أوروبية لإعادة بناء القدرات الدفاعية للقارة بعد الحرب الروسية الأوكرانية، وفي وقت تتزايد فيه التساؤلات بشأن مستقبل الالتزام الأمريكي بأمن أوروبا في ظل توجهات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
«حرب كبرى مع الناتو».. روسيا ترفع سقف التحدي
وتقود برلين، بحسب صحيفة فايننشال تايمز، مشاورات مكثفة مع واشنطن بهدف التوصل إلى اتفاقيات تسمح بإنتاج أنظمة تسليح أمريكية متطورة داخل ألمانيا، بما يسهم في تقليص فجوات القدرات العسكرية الأوروبية، ويمنح الولايات المتحدة في الوقت نفسه شريكاً صناعياً قادراً على تخفيف الضغوط المتزايدة على مصانعها الدفاعية.
صواريخ بعيدة المدى على رأس الأولويات
وبحسب مصادر مطلعة، طلبت الحكومة الألمانية من الإدارة الأمريكية الموافقة على اتفاقيات إنتاج مشترك تشمل مجموعة واسعة من الأنظمة الدفاعية، وفي مقدمتها صواريخ "توماهوك" بعيدة المدى، وصواريخ باك-3 المستخدمة في منظومات الدفاع الجوي "باتريوت"، باعتبارها من أكثر الأسلحة المطلوبة لتعزيز قدرات الردع الأوروبية.
وتشير المصادر إلى أن ردود الفعل الأولية داخل الإدارة الأمريكية وقطاع الصناعات الدفاعية جاءت أكثر إيجابية مما كان متوقعاً، وهو ما اعتبرته برلين مؤشراً على إمكانية تحقيق تقدم في ملف ظل لسنوات طويلة مقيداً بقيود نقل التكنولوجيا ومتطلبات الأمن القومي الأمريكي.
ترى ألمانيا أن مشروع التصنيع المشترك يمكن أن يحقق فوائد استراتيجية للطرفين. فمن ناحية، تمتلك البلاد قاعدة صناعية متطورة، خاصة في قطاع الصناعات الهندسية والسيارات، الذي يعاني حالياً من تراجع الطلب والمنافسة الصينية، ما يوفر طاقات إنتاجية يمكن توظيفها في الصناعات الدفاعية.
ومن ناحية أخرى، تواجه شركات السلاح الأمريكية ضغوطاً متزايدة نتيجة تراكم الطلبيات والطلب المتصاعد على الذخائر والصواريخ، وهو ما أدى إلى اختناقات في سلاسل الإمداد، خصوصاً فيما يتعلق بمحركات الصواريخ الصلبة وبعض المكونات الحساسة. ولذلك، ترى برلين أن توزيع عمليات الإنتاج بين الجانبين قد يسهم في تسريع عمليات التسليم وتعزيز جاهزية الجيوش الأوروبية.
شراكات قائمة وخطط للتوسع
وتؤكد وزارة الدفاع الألمانية أن التعاون الصناعي بين شركات البلدين يشهد بالفعل مستوى متقدماً، مستشهدة بقيام شركة "راينميتال" الألمانية بإنتاج هياكل مقاتلات "إف-35" لصالح شركة "لوكهيد مارتن"، إضافة إلى المنشأة المشتركة بين "إم بي دي إيه" الأوروبية و"رايثيون" الأمريكية لإنتاج صواريخ "باتريوت".
وتشير الوزارة إلى أن الحكومة تعمل على توسيع هذه الشراكات بهدف رفع الطاقة الإنتاجية وتسريع توريد أنظمة التسليح المطلوبة بشكل عاجل للجيش الألماني والدول الأوروبية، في ظل تسارع برامج إعادة التسلح داخل القارة.
وتسعى برلين أيضاً إلى إطلاق تعاون بين الفرع الألماني لشركة "إم بي دي إيه" الأوروبية وشركة "رايثيون" الأمريكية لإنتاج نسخة أرضية من صاروخ "توماهوك" يصل مداها إلى أكثر من ألفي كيلومتر، بما يمنح أوروبا قدرة ردع بعيدة المدى.
ورغم العلاقات الممتدة بين الشركتين، فإن المحادثات الخاصة بهذا المشروع لا تزال في مراحلها التمهيدية، ولم تصل بعد إلى مرحلة التفاوض الفني المباشر.
هواجس من تراجع الالتزام الأمريكي
تعكس هذه التحركات قلقاً أوروبياً متزايداً من احتمال تقليص الوجود العسكري الأمريكي في القارة، خاصة مع توجه واشنطن لإعادة توزيع مواردها العسكرية نحو منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
وقد زاد هذا القلق بعد قرار وزارة الدفاع الأمريكية إلغاء خطة سابقة لنشر كتيبة مزودة بصواريخ "توماهوك" الأرضية في ألمانيا، وهي الخطة التي كانت قد طُرحت رداً على نشر روسيا أنظمة صاروخية متطورة في منطقة كالينينغراد.
وأثار القرار مخاوف داخل الحكومة الألمانية من حدوث فجوة في قدرات الردع، ما دفع برلين إلى إعادة إحياء خطط شراء هذه الصواريخ، إلى جانب دراسة بدائل أخرى، من بينها صواريخ أوكرانية بعيدة المدى.
ورغم التفاؤل الحذر الذي يحيط بالمباحثات، يدرك المسؤولون الألمان أن العقبة الرئيسية لا تتمثل في القدرات الصناعية، وإنما في استعداد الولايات المتحدة لنقل التكنولوجيا العسكرية الحساسة.
ويرى عدد من أعضاء البرلمان الألماني أن واشنطن قد توافق على تصنيع مكونات أو هياكل بعض الأنظمة، لكنها ستظل متحفظة إزاء نقل التقنيات الأساسية التي تمنح هذه الأسلحة تفوقها العملياتي، باعتبارها جزءاً من أسرار الأمن القومي الأمريكي.
كما يواجه مشروع مشترك بين "راينميتال" و"لوكهيد مارتن" لإنتاج الصواريخ تحديات مماثلة، بعدما أقر مسؤولو الشركتين بأن المفاوضات تسير بوتيرة أبطأ من المتوقع بسبب الخلافات حول نقل التكنولوجيا وتقاسم التكاليف وحجم الإنتاج.