موازين يرفع سقف العالمية.. دورة كرّست الرباط عاصمةً للموسيقى
أسدل مهرجان "موازين.. إيقاعات العالم"، في ساعة متأخرة من ليلة السبت - الأحد، الستار على دورته الحادية والعشرين، بعد عشرة أيام من السهرات الموسيقية التي حولت مدينتي الرباط وسلا إلى فضاء مفتوح للتلاقي بين الثقافات، وأكدت المكانة التي بات يحتلها المهرجان ضمن أبرز التظاهرات الموسيقية الدولية.
وشكلت دورة 2026 محطة جديدة في مسيرة المهرجان، ليس فقط من خلال استقطابها أسماء بارزة من مختلف أنحاء العالم، بل أيضًا عبر توسيع فضاءات العرض والارتقاء بجودة البرمجة الفنية، بما يعكس رؤية تراهن على الموسيقى بوصفها لغة عالمية للحوار والانفتاح والتبادل الثقافي.
واحتضنت منصات الرباط وسلا، التي توزعت على أبرز المعالم الثقافية والحضرية للعاصمة، أمسيات مزجت بين الأنماط الموسيقية العالمية والعربية والإفريقية والمغربية، مانحة الجمهور، بمختلف فئاته وأعمارِه، فرصة لاكتشاف تجارب فنية متنوعة، والالتقاء بفنانين رسخوا أسماءهم في الساحة الدولية، إلى جانب أصوات صاعدة تؤكد حيوية المشهد الموسيقي المعاصر.
ولعل أبرز ما ميز هذه الدورة انفتاحها على فضاءات جديدة، بعد أن احتضن المسرح الملكي والملعب الكبير الأمير مولاي عبدالله لأول مرة حفلات ذات طابع جماهيري وفني استثنائي، في خطوة تعكس تطور البنية التنظيمية للمهرجان وقدرته على استيعاب عروض كبرى تستجيب لتزايد الإقبال الجماهيري.
وفي الملعب الكبير، اجتمع عشاق الموسيقى على مدى يومين مع أربع تجارب فنية لافتة جمعت بين نجوم الأغنية المغربية والعربية، من بينهم دوزي والشاب خالد، إلى جانب مراد وإلغراندي طوطو، في عروض اتسمت بالطاقة الجماهيرية العالية.
أما المسرح الملكي، الذي افتتح حديثًا أبوابه أمام الجمهور، فقد استضاف أمسية استثنائية أحيتها أيقونة الجاز العالمية دي دي بريدجووتر، مؤكدة جاذبية المغرب لأبرز الأسماء في المشهد الموسيقي الدولي، وقدرة المهرجان على استقطاب عروض ذات قيمة فنية رفيعة.
واحتفظ المسرح الوطني محمد الخامس بمكانته باعتباره أحد أهم فضاءات الاكتشاف الفني في "موازين"، حيث استضاف برنامجًا جمع بين الموسيقى المغربية والعربية والعالمية، افتتحته الفنانة السورية ميادة الحناوي، إحدى أبرز أصوات العصر الذهبي للأغنية العربية، فيما اختتمته النجمة الأميركية ديون وارويك في أمسية أعادت الجمهور إلى كلاسيكيات الأغنية العالمية.
وفي مدينة سلا، واصلت المنصة المخصصة للموسيقى المغربية أداء دورها في الاحتفاء بالإبداع المحلي، مقدمة باقة من العروض التي جمعت بين الأغنية الشعبية والشبابية والأمازيغية، بمشاركة أسماء مخضرمة ومواهب شابة، في تجسيد لرهان المهرجان على دعم الفنان المغربي، الذي استحوذ على نصف برمجته الفنية.
كما حافظت منصة أبي رقراق على خصوصيتها باعتبارها نافذة مفتوحة على الموسيقى الإفريقية، إذ قدمت عروضًا عكست ثراء القارة وتنوع مدارسها الموسيقية، من خلال مزج التراث بالإيقاعات الحديثة، في أجواء حظيت بتفاعل جماهيري كبير.
ومن جهتها، استقطبت منصة النهضة جمهور الأغنية العربية، عبر برنامج جمع بين الطرب الكلاسيكي والأغنية المعاصرة، بمشاركة نخبة من نجوم العالم العربي، فيما احتضن موقع شالة الأثري، المدرج ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو، أمسيات موسيقية اتسمت بالخصوصية، حيث التقت عراقة المكان بأصوات موسيقية من ثقافات مختلفة، في تجربة فنية امتزج فيها التاريخ بالموسيقى.
أما منصة أولم السويسي، فقد ظلت الوجهة المفضلة لعشاق الموسيقى العالمية الحديثة، الذين توافدوا بأعداد كبيرة لمتابعة عروض أبرز نجوم الموسيقى الشبابية والإيقاعات المعاصرة، في أجواء احتفالية امتدت حتى ساعات متأخرة من الليل.
ومع إسدال الستار على فعاليات الدورة الحادية والعشرين، يؤكد مهرجان "موازين.. إيقاعات العالم" أنه تجاوز منذ سنوات كونه مجرد موعد فني سنوي، ليصبح مشروعًا ثقافيًا يرسخ قيم الانفتاح والتنوع، ويجعل من الرباط منصة للحوار بين الثقافات، وملتقى سنويًا تتجاور فيه التجارب الموسيقية من مختلف أنحاء العالم، في احتفاء دائم بقوة الفن وقدرته على جمع الشعوب تحت لغة واحدة هي الموسيقى.