تفكير عراقي بصوت عال في معضلة الميليشيات: الدمج هو الحلّ
تشعر القوى العراقية الممسكة بزمام السلطة في العراق، بما فيها المقرّبة من إيران، بوطأة الضغوط المسلطة على البلد بسبب فوضى السلاح التي تسوده وسطوة الميليشيات بما في ذلك ميليشيات الحشد الشعبي، وتبحث في ضوء ذلك عن المعادلة الصعبة التي تتيح تنفيذ وعد رئيس الوزراء الجديد علي الزيدي بحصر السلاح بيد الدولة وتسترضي واشنطن الشريك الضروري للعراق، دون استثارة الفصائل نفسها التي ما زالت تمتلك الكثير من الوسائل الأمنية والسياسية الكفيلة بحماية كياناتها والدفاع عن مصالحها.
وفي إطار ما يشبه عملية تفكير بصوت عال في حلول لهذه المعضلة طُرح سيناريو دمج عناصر الحشد الشعبي في المؤسسات الأمنية بمسمياتها، ما سيعني تذويب الحشد والتخلّص من تسميته دون الحاجة إلى تسريح هؤلاء المقاتلين البالغ عددهم بضع عشرات من الآلاف.
ونقلت وسائل إعلام محلّية عن مصدر حكومي قوله إنّ قوى سياسية وفصائل مسلّحة أبدت مرونة في ما يتعلق بملف حصر السلاح بيد الدولة بعد أن كانت متشدّدة تجاه هذا الموضوع.
وفي العراق تشارك في الحكم بشكل رئيسي قوى وشخصيات مقرّبة من إيران، من بينها من له صلة مباشرة بالميليشيات. وكما أنّ تلك الأطراف معنية بالحفاظ على الفصائل ومكانتها، فإنّها معنية أيضا بالحفاظ على النظام وحماية تماسكه نظرا لما يؤمّنه لها من مصالح وامتيازات كبيرة مادية واعتبارية.
◄ العراق يواجه مصاعب حقيقية تهدّد استقرار نظامه وتعكسها التهديدات الأميركية بوقف التعاون الأمني والمالي والاقتصادي
وترى بعض تلك القوى أنّ العراق يواجه مصاعب حقيقية تهدّد استقرار نظامه وتُجْمِلها التهديدات الأميركية الصريحة بوقف التعاون السياسي والأمني وخصوصا المالي والاقتصادي مع بغداد. وهو ما لا يستطيع البلد، الذي يتلقى عوائد نفطه بالدولار من واشنطن، تحمّله.
ومن هنا يأتي الانقسام بشأن مآل الحشد وسائر الميليشيات بين قوى براغماتية ترى ضرورة انتهاج المرونة لحماية مصالحها الحيوية المرتبطة بمصالح العراق ككل، وأخرى عقائدية أكثر تشدّدا وأوسع ارتباطا بإيران وتعتبر المساس بالحشد وسلاح الفصائل خطّا أحمر.
وعلى هذه الخلفية لم تتأخر ردود الفعل على ما يروج بشأن مرونة بعض القوى حيال نزع سلاح الفصائل وحصره بيد الدولة.
والاثنين هاجم مقداد الخفاجي النائب بالبرلمان العراقي عن كتلة “حقوق”، الجناح السياسي والواجهة البرلمانية لكتائب حزب الله العراق، ما سمّاه سعي قوى سياسية بالتنسيق مع واشنطن لإنهاء وجود الحشد عبر دمجه في مؤسسات أخرى.
ونقلت وكالة شفق نيوز عن النائب قوله إن “هناك ضغوطا أميركية وإقليمية وحتى من قبل بعض الكتل السياسية العراقية لإنهاء وجود الحشد ودمج عناصره في الوزارات والمؤسسات الأمنية”.
وأضاف أن “ما يجري هو بمثابة ورقة ضغط على فصائل المقاومة والحشد الشعبي وممثليهم في مجلس النواب لتمرير بعض القرارات والمشاريع في الفترة القادمة”.
مقداد الخفاجي: ما يجري هو بمثابة ورقة ضغط على فصائل المقاومة والحشد الشعبي وممثليهم في مجلس النواب لتمرير بعض القرارات والمشاريع في الفترة القادمة
وجدّد النائب رفض حركته “تحويل ودمج عناصر الحشد البالغ عددهم أكثر من مئتي ألف مقاتل في وزارة أو مؤسسات أخرى”.
وردّ الخفاجي بذلك على أنباء متداولة تفيد بوجود توجه لإنشاء وزارة أمنية جديدة، تضم الحشد وبعض القطعات الأمنية الأخرى مثل قوات حرس الحدود والشرطة الاتحادية.
وكانت الوكالة نفسها قد نقلت عن المصدر الحكومي المشار إليه آنفا قوله إنّ “رفض بعض الفصائل الاندماج في الجيش وتسليم السلاح لن يستمر طويلا، كون الرسائل الإيرانية التي حملها قائد فيلق القدس الإيراني إسماعيل قاآني في زيارته الأخيرة إلى بغداد تضمنت أهمية تقنين سلاح ‘محور المقاومة’ واندماج عناصرها ضمن المؤسسة الرسمية لانتفاء الحاجة إلى سلاحها لاعتبارات عدة”.
وأشار المصدر ذاته إلى أن من بين هذه الاعتبارات “قدرة إيران على الدفاع عن نفسها إلى جانب منع توسيع ساحة الصراع في المنطقة وذلك كان بلقاءات مباشرة مع قادة الفصائل وأغلبهم أبدوا تجاوبا مع اطلاعهم على ضمانات حكومية بعدم ملاحقتهم وتجميد أموالهم في الخارج وإدراج سلاحهم بشكل رسمي لدى الحكومة، والأخيرة هي التي تقرر آلية خزن السلاح”.
وعلى الرغم مما يبدو من تناقض هذا الموقف الإيراني مع ما هو معروف من حرص شديد من قبل طهران على حماية الميليشيات التي تعمل كأذرع لها في العراق والحفاظ على سلاحها، إلاّ أنه يبدو في العمق متّسقا مع حرصها من ناحية أخرى على الحفاظ على النظام العراقي الذي تقوده قوى شيعية مقرّبة منها لأن البلد لا يمثّل بالنسبة إليها مجرّد جدار صدّ أمني متقدّم، وإنما يمثّل أيضا مجالا حيويا ومتنفسا اقتصاديا من العقوبات ومنه تستمدّ مبالغ هامّة من عملة الدولار القادمة من الولايات المتّحدة.
وتوقّع المصدر أن يتمّ الشروع بعد استكمال الكابينة الحكومية في عملية حصر السلاح بشكل رسمي وبإشراف حكومي.
وكان رئيس الوزراء قد ضمّن منهاجه الحكومي الذي صادق عليه البرلمان مؤخّرا بندا واضحا يتعلّق بحصر السلاح بيد الدولة، وقد مثّل إقرار ذلك المنهاج من قبل مجلس النواب مؤشرا على وجود مرونة حقيقية بشأن ملف السلاح الشائك والمعقّد.