الجنوب ينتصر لإرادته.. والمجلس الانتقالي يكسر رهانات الوصاية
الأوطان لا تصادرها المطامع السياسية، وإرادة الشعوب تنتصر مهما تضاعفت القوى العسكرية، فالتجارب أثبتت أن الشعوب التي تمتلك قضية عادلة لا يمكن إخضاعها بالقوة أو المال أو محاولات إعادة تشكيل وعيها السياسي وفق أجندات خارجية.
اليوم.. تتكشف في المشهد الجنوبي صورة أكثر وضوحاً عن ملامح الصراع الحقيقي بين إرادة شعب يسعى لاستعادة دولته وهويته السياسية، وبين مشاريع إقليمية حاولت خلال السنوات الماضية احتواء القضية الجنوبية والتحكم بمسارها بما يتناسب مع مصالحها الخاصة.
نعم.. لقد سقطت الأقنعة الاستعبادية، وخسرت الحسابات السعودية برغم حجم الميزانيات المالية والإغراءات السياسية والمادية التي قدمتها الرياض في سبيل إنهاء القضية الجنوبية أو إعادة توجيهها بما يخدم أجندتها السياسية ومطامعها التوسعية في جنوب اليمن، معتقدة أنها تستطيع كسر إرادة شعب، ونهب ثرواته وأراضيه تحت شعارات سياسية ظاهرها الدعم وباطنها العمل على إضعاف المشروع الجنوبي وتقويض أي حالة وطنية مستقلة تمثل أبناء الجنوب.
خلال الأسابيع الماضية حاولت الرياض صناعة كيانات بديلة في أرض الجنوب، وتمويل شخصيات وأدوات إعلامية وسياسية بهدف إرباك المشهد الجنوبي وضرب حالة الاصطفاف الشعبي خلف المشروع الوطني الجنوبي، غير أن تلك المحاولات اصطدمت بحقيقة ثابتة، وهي أن القضية الجنوبية لم تعد مجرد حالة احتجاج عابرة، بل تحولت إلى مشروع سياسي وشعبي متجذر يستند إلى تضحيات واسعة وإرادة جمعية راسخة لدى أبناء الجنوب.
لقد أثبتت إرادة شعب الجنوب أنها تملك راية لا تسقط، وصوتاً لا يعلو عليه، وثورة لا يمكن كسرها مهما امتلكت الرياض من نفوذ أو ثروة.
تلك التظاهرات الشعبية والحشود الجماهيرية التي شهدتها مختلف المحافظات الجنوبية خلال السنوات الأخيرة، وزاد حجمها في الأشهر القليلة الماضية لم تكن مجرد فعاليات سياسية، بل رسائل واضحة بأن الشارع الجنوبي ما يزال متمسكاً بقضيته الوطنية، ورافضاً لأي محاولات وصاية أو احتواء أو إعادة إنتاج قوى الفشل القديمة، أو تصدير جماعات الإرهاب والتطرف التي ترعاها الرياض، تحت مسميات متعددة.
إن تلك التحركات الشعبية الواسعة التي تقودها جماهير الجنوبي الأبي في كل المحافظات أربكت كثيراً حسابات - الرياض والإخوان - التي كانت تراهن على إنهاك القضية الجنوبية أو تفكيك حاملها السياسي، عبر طابور طويل من الشخصيات والكيانات التي باعت مواقفها السياسية وارتهنت لمشاريع خارجية، وجعلت من نفسها أدوات لتفتيت الكيان الجنوبي ومحاولة ضرب وحدته الداخلية، خدمة لطموحات سعودية تسعى للسيطرة على القرار الجنوبي ومقدراته الجغرافية والاقتصادية والاستراتيجية.
وفي خضم هذه التحديات برز المجلس الانتقالي الجنوبي باعتباره الحامل السياسي الأبرز للقضية الجنوبية، وكياناً تشكل من رحم المعاناة الجنوبية ومن عمق الأرض الجنوبية، مستنداً إلى قاعدة شعبية واسعة وحضور سياسي وعسكري متماسك. وبرغم حجم الضغوط والاستهداف السياسي والإعلامي والاقتصادي الذي تعرض له، ظل المجلس الانتقالي محافظاً على حضوره وتأثيره، بل تمكن من تعزيز مكانته في الوعي الشعبي الجنوبي باعتباره ممثلاً رئيسياً لتطلعات أبناء الجنوب.
وقد راهنت أطراف عديدة على إسقاط المجلس الانتقالي أو تفكيكه من الداخل، إلا أن الواقع أثبت أنه ما يزال يتجدد كل يوم، ويستمد قوته من التفاف الشارع الجنوبي حوله، ومن قدرته على البقاء في قلب المعادلة السياسية والعسكرية، رغم كل محاولات العزل والإقصاء والاستنزاف.
لقد جاءت كلمة رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي اللواء عيدروس الزبيدي الأخيرة لتعكس حجم الثبات السياسي والوضوح في الخطاب الجنوبي، ولتحمل رسائل مباشرة لكل الأطراف التي تعتقد أنها قادرة على فرض الوصاية على الجنوب أو التحكم بمستقبله السياسي، حيث أعادت الكلمة التأكيد على أن الجنوب يمتلك مشروعه الوطني الخاص، وأن إرادة الجنوبيين لن تخضع للضغوط مهما تعاظمت التحديات.
كما عكست تصريحات الزبيدي تمسك المجلس الانتقالي بخيار استعادة الدولة الجنوبية، ورفضه لأي حلول تنتقص من تطلعات أبناء الجنوب أو تحاول إعادة إنتاج الهيمنة السياسية السابقة بصورة جديدة، وهو خطاب وجد صداه الواسع لدى الشارع الجنوبي، الذي يرى في المجلس الانتقالي اليوم صمام أمان سياسي في مواجهة محاولات الالتفاف على القضية الجنوبية أو تذويبها داخل مشاريع تسوية لا تعبر عن الإرادة الشعبية الجنوبية.
إن ما يجري اليوم يؤكد أن الجنوب لم يعد ساحة مفتوحة للنفوذ الخارجي كما كان يعتقد، وأن أي مشروع سياسي لا يستند إلى الإرادة الشعبية الجنوبية مصيره الفشل مهما حظي بالدعم المالي أو الإقليمي، فالقضية الجنوبية باتت أكثر حضوراً، والمجلس الانتقالي أصبح رقماً صعباً في أي معادلة سياسية قادمة، مدعوماً بحاضنة شعبية واسعة وبخطاب سياسي يستند إلى قضية يعتبرها الجنوبيون قضية وجود وهوية ومستقبل.
ومهما خططت – الرياض - أو حاولت استخدام أدواتها السياسية والإعلامية لإعادة تشكيل المشهد الجنوبي، فإن الأوطان تظل حرة، والشعوب الحية لا تنكسر، وإرادة الجنوب التي صمدت أمام سنوات الحرب والاستهداف، ستبقى قادرة على فرض نفسها حتى تحقيق تطلعات أبناء الجنوب في استعادة دولتهم وهويتهم السياسية كاملة غير منقوصة.