اليونسكو تحذر: التراث الإيراني تحت نيران الحرب

وكالة أنباء حضرموت

لم تعد آثار الحروب الحديثة تقتصر على الخسائر البشرية والدمار العمراني، بل امتدت لتطال ذاكرة الحضارات نفسها. ففي إيران، الدولة التي تضم واحدة من أقدم الحضارات في العالم، بدأت آثار القصف العسكري الأميركي – الإسرائيلي تنعكس على مواقع تاريخية مصنفة ضمن قائمة التراث العالمي، ما أثار قلقًا واسعًا لدى المؤسسات الدولية المعنية بحماية التراث الثقافي.

ووفق ما أعلنته منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، تضررت أربعة مواقع مدرجة ضمن قائمة التراث العالمي في إيران، التي تضم في مجموعها 29 موقعا مسجلا لدى المنظمة الدولية. وأكدت المنظمة الأربعاء أنها تتابع بقلق بالغ تأثير العمليات العسكرية على هذه المواقع، داعية جميع الأطراف إلى احترام القوانين الدولية التي تحظر استهداف الممتلكات الثقافية خلال النزاعات المسلحة.

وقال مدير مركز التراث العالمي في اليونسكو، لازار إلوندو أسومو، إن المنظمة تشعر “بقلق بالغ إزاء التأثير الذي تخلفه الأعمال القتالية بالفعل على العديد من مواقع التراث العالمي”.

وأضاف أن القلق لا يقتصر على إيران وحدها، بل يشمل أيضًا مواقع تاريخية في مناطق أخرى من الشرق الأوسط، بما في ذلك فلسطين ولبنان، حيث يمكن أن تؤدي العمليات العسكرية المتبادلة إلى إلحاق أضرار جسيمة بمعالم تاريخية تعود إلى آلاف السنين.

وأوضح المسؤول الدولي أن اليونسكو قامت بمشاركة الإحداثيات الجغرافية للمواقع الثقافية الرئيسية مع جميع الأطراف المتحاربة، في محاولة لتجنب استهدافها خلال العمليات العسكرية، وهو إجراء تلجأ إليه المنظمة في مناطق النزاع لحماية المواقع الأثرية.

من بين المواقع التي أكدت التقارير تعرضها لأضرار، يبرز قصر غولستان في طهران، وهو أحد أبرز المعالم التاريخية في البلاد والمدرج ضمن قائمة التراث العالمي منذ عام 2013.

ويقع القصر في قلب طهران التاريخي، وكان مقرا للحكم خلال عهد الدولة القاجارية التي حكمت إيران بين أواخر القرن الثامن عشر وبداية القرن العشرين. ويعود تاريخ بناء القصر إلى القرن السادس عشر، قبل أن يتم توسيعه وتطويره خلال فترة القاجاريين، ليصبح مجمعًا معماريًا فريدًا يجمع بين الفن الفارسي التقليدي والتأثيرات الأوروبية.

وبحسب الصور التي ظهرت من داخل القصر بعد القصف، تناثرت شظايا الزجاج في العديد من القاعات التاريخية، فيما تضررت بعض الزخارف الخشبية والسقوف المزخرفة.

وفي قاعة “عرش الرخام”، إحدى أهم القاعات في القصر، سقطت أجزاء من الزخارف السقفية وتضررت الأرضيات بشكل ملحوظ نتيجة قوة الانفجارات التي وقعت بالقرب من الموقع. أما “قاعة المرايا”، وهي من أشهر قاعات القصر وأكثرها شهرة بتصاميمها الداخلية المكسوة بالمرايا والزخارف الدقيقة، فقد تحطمت نوافذها بالكامل وتعرضت زخارفها لأضرار جسيمة.

وكان القصر أيضا شاهدا على أحداث تاريخية مهمة، من بينها حفل تتويج آخر شاه لإيران، محمد رضا بهلوي، عام 1969.

وقال مدير مركز التراث العالمي إن “هذا القصر يمثل نموذجا فريدا لتلاقي الفن الفارسي مع التأثيرات الأوروبية في القرن التاسع عشر”، مضيفًا أن بعض الخبراء يقارنونه أحيانا بقصر فرساي في فرنسا من حيث رمزيته التاريخية.

وامتدت الأضرار إلى مدينة أصفهان، التي تعد واحدة من أهم المدن التاريخية في العالم الإسلامي، فخلال القرون الماضية كانت أصفهان مركزًا حضاريًا وتجاريا مهمّا على طريق الحرير، وشكلت نقطة التقاء بين ثقافات الشرق والغرب.

ومن أبرز المواقع التاريخية في المدينة ميدان نقش جهان، وهو إحدى أكبر الساحات التاريخية في العالم، ويحيط به عدد من المعالم المعمارية الفارسية الشهيرة.

وبالقرب من هذا الميدان يقع مسجد شاه عباس، الذي يعد من أبرز نماذج العمارة الإسلامية في إيران. وقد أظهرت التقارير وقوع أضرار في محيط المسجد التاريخي نتيجة الغارات التي استهدفت مناطق قريبة منه.

كما تعرض قصر جهل ستون لبعض الأضرار، وفق مشاهد بثتها وسائل إعلام إيرانية. ويعود تاريخ القصر إلى القرن السابع عشر خلال العصر الصفوي، ويشتهر بزخارفه الجدارية وقاعاته المزينة بلوحات تاريخية تجسد ملاحم الإمبراطورية الفارسية.

ويعتبر القصر جزءا من منظومة “الحدائق الفارسية”، التي أدرجتها اليونسكو على قائمة التراث العالمي عام 2011 باعتبارها نموذجًا فريدًا لتصميم الحدائق التقليدية في الثقافة الإيرانية.

وأشارت اليونسكو كذلك إلى تعرض مبانٍ قريبة من المنطقة العازلة المحيطة بالمواقع الأثرية في وادي خرم آباد لأضرار نتيجة القصف.

وتعد هذه المناطق من المواقع التاريخية التي تضم آثارًا تعود إلى عصور مختلفة من تاريخ إيران القديم، ما يجعلها جزءًا مهمًا من السجل الأثري للمنطقة.

كما طالت الأضرار أجزاء من البازار الكبير في طهران، أحد أقدم الأسواق التقليدية في إيران، والذي يمثل مركزًا اقتصاديًا وثقافيًا يعود تاريخه إلى عدة قرون.

ويؤكد خبراء التراث أن استهداف المواقع الثقافية أو تعريضها للخطر خلال الحروب يمثلان تهديدًا مباشرًا لذاكرة الحضارات، فالمعالم التاريخية ليست مجرد مبانٍ قديمة، بل تمثل مصادر معرفية أساسية لفهم تطور المجتمعات البشرية.

كما أن العديد من هذه المواقع يعد رمزا للهوية الوطنية للشعوب، ما يجعل تدميرها أو إلحاق الضرر بها بمثابة خسارة ثقافية لا يمكن تعويضها.

وتشير تقارير المنظمات الدولية إلى أن النزاعات المسلحة في العقود الأخيرة أدت إلى تدمير أو تضرر عدد كبير من المواقع الأثرية في الشرق الأوسط، ما دفع المجتمع الدولي إلى تعزيز الجهود القانونية لحمايتها.

وفي خضم هذه التطورات جددت اليونسكو دعوتها جميع الأطراف إلى الالتزام بالقانون الدولي الإنساني الذي يحظر استهداف الممتلكات الثقافية خلال النزاعات.

وأكد مدير مركز التراث العالمي أن المنظمة تتابع عن كثب حجم الأضرار التي لحقت بالمواقع المتضررة، مشيرًا إلى أن التقييم الدقيق سيستغرق بعض الوقت بسبب استمرار العمليات العسكرية.

كما شدد على أن حماية التراث الثقافي مسؤولية مشتركة تقع على عاتق المجتمع الدولي بأسره، وليس فقط على الدول التي توجد فيها هذه المواقع.

من جهتها اعتبرت الحكومة الإيرانية أن استهداف المناطق القريبة من المواقع التاريخية يمثل تهديدًا مباشرًا للتراث الإنساني.

وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي في منشور على منصة إكس إن العالم “لا يمكن أن يظل صامتًا بينما تهدد جرائم المعتدين التراث المشترك للبشرية”.

وتشكل إيران واحدة من أهم مناطق التراث الثقافي في العالم، إذ تمتد حضارتها إلى آلاف السنين وتشمل آثارًا فارسية وإسلامية متنوعة، لذلك فإن أي ضرر يلحق بمواقعها التاريخية لا يمثل خسارة وطنية فحسب، بل خسارة للبشرية كلها.

وفي ظل استمرار العمليات العسكرية، تبقى هذه المواقع مهددة بالمزيد من الأضرار، ما يزيد من أهمية التحرك الدولي السريع لحمايتها.

فالتاريخ الذي صمد لقرون أمام تقلبات الزمن، قد يجد نفسه اليوم في مواجهة أخطر تهديداته: الحرب الحديثة، التي لا تميز بين الإنسان والحجر، ولا بين الحاضر وذاكرة الماضي.