الحرب على إيران تواجه نفس المخاطر التي دمرت العراق
في أعقاب الغزو الأميركي للعراق عام 2003، تمكن الجيش الأميركي من تحقيق جميع أهدافه العسكرية بسرعة مذهلة، بدءًا من القبض على صدام حسين وإعدامه، وصولاً إلى السيطرة الجوية الكاملة وسقوط الحكومة العراقية في غضون 21 يومًا فقط.
ومع ذلك، وبعد أكثر من عقدين على الحرب، تبين أن النتائج العسكرية لم تترجم إلى استقرار سياسي دائم، إذ لا يزال العراق دولة سلطوية تخضع لتأثير طهران، وتعمل الميليشيات المدعومة من إيران على الأرض بحرية، وبعضها يشغل مناصب رسمية داخل الدولة.
ويظهر هذا الفجوة الحاسمة بين النجاح العسكري والنتائج السياسية، وهي الفجوة التي غالبًا ما تتحول إلى فشل استراتيجي.
ويقدم درس العراق تحذيرًا شديد الوضوح للحرب الحالية على إيران. ففي العراق، أدى حل حزب البعث وإلغاء الجيش العراقي دون نزع أسلحتهم إلى توفير قاعدة قوية للتمرد المسلح، ما حول الانتصار العسكري إلى فوضى سياسية.
وما حدث هو أن الفراغ الذي خلفه انهيار النظام لم يظل خاليًا، بل امتلأ بمن كانت لديها أفضل قدرة تنظيمية على الأرض، وكانت إيران هي الأكثر استعدادًا لهذا الدور بفضل سنوات من بناء النفوذ السياسي والعسكري داخل العراق منذ ثمانينيات القرن الماضي.
ويرى محللون أن النجاح العسكري خلق الظروف نفسها التي أدت إلى الكارثة السياسية، وهذه التجربة هي التي شكلت درسًا صارخًا لم تنساه الاستراتيجية الأميركية.
واليوم، تتكرر المخاطر نفسها مع الحرب على إيران. الحرس الثوري الإيراني ليس مجرد قوة عسكرية، بل يمتلك السيطرة على ما بين 30 إلى 40 في المئة من الاقتصاد الإيراني ويدير شركات ضخمة في البناء والاتصالات والبتروكيماويات، إلى جانب شبكات مؤسساتية موازية للدولة.
في العراق، أدى الفراغ إلى تعزيز النفوذ الإيراني، وفي ليبيا إلى استمرار عدم الاستقرار السياسي، والآن يبدو أن نفس الفجوة تتكرر في إيران، حيث أن الانتصار العسكري وحده لا يكفي لتحقيق الأهداف السياسية أو الاستراتيجية.
ومنذ وفاة المرشد الأعلى علي خامنئي في بداية الحملة العسكرية الأميركية-الإسرائيلية، أصبح الحرس الثوري القوة الحاكمة الفعلية، فيما تعكس تعيين مجتبى خامنئي مرشدًا أعلى استمرار النظام وليس تغييره، ما يوضح أن الانتصار العسكري وحده لن يخلق انتقالًا سياسيًا ناجحًا. فالأمر لا يتعلق بإسقاط النظام فحسب، بل بمَن سيملأ الفراغ بعد ذلك، وهو سؤال لم تجب عنه واشنطن بعد.
وتواجه المعارضة الإيرانية في الخارج، مثل منظمة مجاهدي خلق والتيار الملكي والحركات الديمقراطية، نفس المشكلات التي واجهتها المعارضة العراقية في 2003: نفوذ محدود لدى واشنطن، وغياب كامل للشرعية الشعبية الداخلية.
وبالإضافة إلى ذلك، فإن أي هجوم خارجي عادة ما يوحد النظام والشعب حتى في حال استياء المواطنين، إذ إن الإيرانيين الذين كانوا يهتفون ضد القيادة أصبحوا يشاهدون الآن القنابل تسقط على مدنهم، مما يزيد من قوة الحرس الثوري ويجعل أي تغييرات سياسية خارجية أكثر صعوبة.
كما أن إيران تمتلك سكانًا يفوق عددهم 92 مليون نسمة، وشبكات وكلاء لن تختفي إذا انهار النظام، بل ستتفاعل وتزداد نشاطًا، إلى جانب مخزون كبير من اليورانيوم عالي التخصيب الذي لم تتمكن الوكالة الدولية للطاقة الذرية من حصره بالكامل بعد ضربات 2025 الأميركية والإسرائيلية.
وفي هذه البيئة، أي محاولة لتفكيك النظام أو الحرس الثوري من دون تهيئة بدائل مؤسسية شرعية ستؤدي حتمًا إلى انهيار اقتصادي وسياسي، وليس إلى حكومة انتقالية مستقرة.
ومن هذا المنطلق، فإن استراتيجية واشنطن الحالية تقوم على فرضية التدمير، دون تقديم خطة واضحة لإدارة الفراغ السياسي الذي سينتج عن ذلك.
وفي العراق، أدى هذا الفراغ إلى تعزيز النفوذ الإيراني، وفي ليبيا إلى استمرار عدم الاستقرار السياسي، والآن يبدو أن نفس الفجوة تتكرر في إيران، حيث أن الانتصار العسكري وحده لا يكفي لتحقيق الأهداف السياسية أو الاستراتيجية. وهكذا، يتحول الدرس المستفاد من العراق إلى تحذير صارخ بأن النجاح العسكري دون خطة سياسية متكاملة هو وصفة للفشل، وأن الحرب على إيران قد تسير على الطريق ذاته الذي قاد إلى الكارثة في العراق.