الجنوب بين الفبركة والمسؤولية الدولية: قراءة في البيان السعودي
لم يعد البيان السعودي الأخير مجرد مادة سجالية في الإعلام، بل أصبح وثيقة سياسية قابلة للمساءلة. حين تصدر رواية مفبركة بصيغة رسمية، وباسم “التحالف”، لتشويه قيادة سياسية قائمة على الأرض، يتجاوز الأمر حدود الدعاية ليصبح مسؤولية قانونية دولية قد تتجاوز الجنوب إلى الإقليم برمته.
القاعدة الثابتة في القانون الدولي واضحة: الادعاء يُقابَل بالإثبات. ما قدم من سرديات متناقضة—مسارات بحرية وجوية بلا توثيق، وسيناريوهات تقنية غير قابلة للتحقق—لا يرقى إلى مستوى البلاغ الأمني، بل يقترب من التشهير السياسي حين يستهدف شخصًا عامًا وكيانًا سياسيًا دون سند.
الأخطر أن هذه الادعاءات صيغت بلهجة قطعية، ثم عممت إعلاميًا، بما يشكل ضررًا معنويًا وسياسيًا لا يُمحى بتصحيح لاحق، ويفتح باب المساءلة على أصل الفعل وتوقيته ونواياه.
التزامن بين القصف والتشهير ليس تفصيلًا عابرًا. توقيت البيان—بعد ضربات ميدانية ثم اتهامات “الهروب”—يُعد قرينة سياقية على أن البيان جزء من سلسلة تصعيد واحدة. الأدلة غائبة، لكن القرائن متراكمة، وهو ما يشكل إشارة تحذيرية في القانون الدولي.
استهداف الرئيس عيدروس الزُبيدي بهذه الطريقة لا يُقرأ كخلاف سياسي عابر، بل كـ محاولة لكسر إرادة شعب الجنوب عبر قيادته. إذا اقترن ذلك بالقوة أو التهديد، يصنّف ضمن الأفعال المُقوِّضة للسلم، خصوصًا حين يُدار إعلاميًا لتبرير خطوات لاحقة.
إصدار البيان باسم التحالف يرفع سقف المسؤولية بدل أن يخفضه. فاسم التحالف ليس مظلة دعائية، بل إطار قانوني وسياسي يُفترض أن يلتزم بمعايير الدقة والتحقق. استخدامه لتغطية فبركات أو تسويق سرديات غير مثبتة يعرّض الإطار نفسه للتآكل، ويضع الأطراف الأخرى في مرمى التداعيات.
إدخال الإمارات في رواية متناقضة دون أدلة يُعد توسيعًا متعمدًا لنطاق النزاع الإعلامي. هذا الإقحام لا يخدم الأمن الإقليمي، بل يهدد الشراكات الدولية، ويحوّل الخلاف السياسي إلى صراع سرديات مفتوح على كل الاحتمالات.
ربط مسارات بحرية بسفن وأعلام دول أخرى بلا توثيق يمس أمن الملاحة في البحر الأحمر. أي تضليل رسمي في بيئة دولية حساسة قد يُفسر كتهديد غير مباشر للسلم البحري، وهو ملف تحظى به القوى الكبرى باهتمام بالغ.
وفق المعايير الدولية، تتحمل الدولة مسؤولية تصريحاتها الرسمية عندما:
تستهدف أشخاصًا أو كيانات عامة دون دليل.
تُحدث ضررًا سياسيًا أو أمنيًا قابلًا للقياس.
تُسهم في التصعيد أو تبرير استخدام القوة.
وفي هذه الحالة، تتقاطع العناصر الثلاثة بوضوح.
وسط الضجيج، تبقى الحقيقة بسيطة: الرئيس عيدروس الزُبيدي موجود في عدن، يدير ويشرف ويقود. لم يغادر، ولم “يهرب”. هذه البساطة هي ما يربك الرواية، فلو كانت صحيحة لما احتاجت إلى هذا الكم من التضخيم والتناقض.
المجلس الانتقالي الجنوبي ليس كيانًا هشًا يُدار بالابتزاز محاولات إخضاعه عبر التشهير والقصف لا تُنتج حوارًا، بل تعمّق الأزمة وتقوّض فرص الاستقرار الحوار لا يُدار تحت النار، ولا تُبنى الشراكات فوق الأكاذيب.