عودة القاعدة في حضرموت: كيف ساهم القصف الجوي السعودي في إعادة تموضع التنظيم؟
تعود قضية وادي المسيني غرب مدينة المكلا إلى الواجهة مجددًا، لكن هذه المرة في سياق أكثر خطورة وتعقيدًا. معطيات ميدانية متطابقة تشير إلى أن الغارات الجوية السعودية، وما رافقها من تفريغ أمني وإعادة انتشار قسري للقوات المحلية، أسهمت عمليًا في إعادة غرس تنظيم القاعدة داخل الوادي، بعد سنوات من إخراجه منه بعملية عسكرية منظمة.
مصادر محلية وعسكرية في حضرموت أفادت لـ«وكالة أنباء حضرموت» أن موجة الغارات الجوية التي استهدفت محيط الوادي والمناطق المجاورة خلال الفترة الأخيرة، تزامنت مع انسحاب وحدات عسكرية كانت تؤمّن الوادي، ما خلق فراغًا أمنيًا استغله تنظيم القاعدة في جزيرة العرب للعودة والسيطرة على مواقعه السابقة.
وبحسب المصادر، لم تكن عودة التنظيم نتيجة هجوم مباشر أو مواجهة عسكرية تقليدية، بل جاءت كنتيجة طبيعية لمسار قصف أربك خطوط الانتشار وأضعف قدرة القوات المحلية على البقاء في مواقعها، وفتح ممرات آمنة لعودة العناصر المتطرفة. هذا النمط—قصف جوي يتبعه فراغ أمني—يعيد إنتاج سيناريوهات شهدتها مناطق يمنية أخرى، حيث يتحول الاستهداف الجوي من أداة مكافحة إلى عامل تمكين غير مباشر للتنظيمات الإرهابية.
خلال الأيام الماضية، شوهدت عناصر القاعدة تعيد التمركز داخل وادي المسيني، وتتحرك بحرية نحو مناطق مجاورة مثل غيضة البهيش، لشراء تموينات غذائية بكميات كبيرة، في مؤشر على استعادة التنظيم قدرته على التموضع والإمداد. كما تحدث سكان محليون عن تحركات مسلحة لافتة داخل الوادي، وسط أنباء عن وصول عناصر إضافية من محافظات مأرب والبيضاء وأبين وشبوة، مستفيدين من حالة السيولة الأمنية التي أعقبت الغارات.
شهود عيان أكدوا أن عناصر التنظيم شاركت في اقتحام مواقع عسكرية تم إخلاؤها، ونهبت كميات من الأسلحة المتوسطة والخفيفة، بعضها نُقل مباشرة إلى داخل الوادي، فيما جرى شراء جزء آخر من أسلحة منهوبة من مواطنين في المناطق المجاورة مقابل مبالغ مالية كبيرة. هذه الوقائع تعكس أن التنظيم لم يعد يعمل كخلايا متخفية، بل بدأ إعادة بناء مخزونه العسكري تحت غطاء الفوضى.
الأخطر أن وادي المسيني ليس مجرد بقعة جغرافية، بل شريان استراتيجي يربط بين مناطق الوادي والساحل، وكان لسنوات غرفة عمليات رئيسية للقاعدة، تُستخدم للتدريب وتصنيع المتفجرات وتخطيط الهجمات التي استهدفت المكلا ومدنًا ساحلية أخرى. عودة التنظيم إلى هذا الموقع تعني إعادة فتح ملف أمني ظُن أنه أُغلق منذ عام 2018.
يُذكر أن قوات النخبة الحضرمية، بدعم مباشر من الإمارات، نفذت في فبراير 2018 عملية عسكرية واسعة عُرفت باسم “الفيصل”، انتهت بطرد القاعدة من الوادي بعد معارك عنيفة، وفرضت حالة استقرار أمني استمرت سنوات. المفارقة أن هذا الإنجاز يُقوَّض اليوم ليس بهجوم مباشر من التنظيم، بل عبر سياسات قصف وإعادة انتشار فتحت له الطريق للعودة.
مصادر أمنية في مديرية بروم ميفع حمّلت الغارات الجوية مسؤولية مباشرة عن تفكك الطوق الأمني حول الوادي، محذرة من أن استمرار هذا النهج سيحوّل حضرموت مجددًا إلى ساحة مفتوحة للتنظيمات الإرهابية. ودعت إلى تحرك عاجل لإعادة تموضع القوات المحلية، التي تمتلك خبرة ميدانية ومعرفة دقيقة بتضاريس الوادي ومداخله ومخارجه، باعتبارها الأكثر قدرة على مواجهة التنظيم.
في المحصلة، ما يجري في وادي المسيني يقدّم مثالًا صارخًا على التناقض بين الخطاب والممارسة. فبينما يُرفع شعار “مكافحة الإرهاب”، تؤدي الغارات الجوية وسياسات إعادة الانتشار إلى إعادة إنعاش القاعدة على الأرض. هذا المسار لا يهدد حضرموت وحدها، بل يضرب الأمن الإقليمي في العمق، ويطرح سؤالًا ملحًا: كيف يمكن تبرير سياسات تُسقط معاقل الإرهاب بالقوة مرة، ثم تُعاد زراعتها بالصواريخ مرة أخرى؟