كيف تُبنى الأكاذيب السياسية؟ قراءة في بيان المالكي
في لحظة سياسية بالغة الحساسية، أصدر المتحدث باسم التحالف، تركي المالكي، بيانًا أثار من علامات الاستفهام أكثر مما قدّم من إجابات. بيانٌ طويل، متشعّب، مثقل بالتفاصيل الشكلية، لكنه فقير في مضمونه، ويكشف—عند تفكيكه—عن رواية مُركّبة صُمّمت لهدف سياسي واحد: تشويه الرئيس عيدروس الزُبيدي وتقويض المجلس الانتقالي الجنوبي.
منذ السطر الأول، يتضح أن البيان كُتب بعقلية دعائية لا بمنهج أمني احترافي. جمعٌ عشوائي لمسارات بحرية وجوية، أرقام وتواريخ وأسماء، دون إسناد واحد قابل للتحقق. لا تسجيلات، لا صور أقمار صناعية، ولا بيانات ملاحة معتمدة. مجرد سردية جاهزة أُطلقت في الفضاء الإعلامي على أمل أن تُستهلك كما هي.
أخطر ما في البيان ليس ما قيل، بل كيف قيل. الادعاء بأن “أنظمة التعريف أُغلقت ثم أُعيد تشغيلها قبل الهبوط بعشر دقائق” ليس تفصيلاً عابرًا، بل تناقض تقني لا يمرّ على المختصين.
في عالم الطيران والملاحة، لا تُغلق الأنظمة وتُعاد بهذه العشوائية دون أن تترك أثرًا رقميًا يمكن تتبعه—وهو ما عجز البيان عن تقديمه.
الحديث عن “طائرة كانت بانتظار أشخاص” ينقل الرواية من خانة التضليل إلى مستوى السيناريو السينمائي الرديء. لا مطارات تُدار بهذه الطريقة، ولا عمليات أمنية تُنفّذ بهذا القدر من السذاجة. هذا النوع من الحبكات يُستخدم لإثارة الرأي العام، لا لبناء ملف أمني قابل للمساءلة الدولية.
الأخطر هو الزج بأسماء ضباط إماراتيين في الرواية. هذا ليس خطأً عابرًا، بل تصعيد مقصود لإقحام دولة الإمارات العربية المتحدة في قصة مفبركة، بعد فشل محاولات سابقة لتشويه دورها في الجنوب.
عندما تفشل الدعاية في شيطنة طرف واحد، تتوسع الدائرة—وهو سلوك معروف في حروب المعلومات.
إدخال سفينة ترفع علم سانت كيتس ونيفيس وربطها بحادثة سابقة مثال واضح على الخلط السياقي المتعمد: استدعاء وقائع قديمة، ربطها ذهنيًا بالحدث الجديد، ثم تقديم الجميع كمسار واحد. أسلوب كلاسيكي لتضخيم رواية هشة تفتقر للأدلة.
في جوهره، لا يبدو البيان تحذيرًا أمنيًا، بل رسالة ابتزاز سياسي. توقيته—عقب قصف الضالع، ثم اتهامات “الهروب”—يكشف تسلسلًا واضحًا: قصف → تشهير → فبركة → إقحام أطراف إقليمية.
وسط هذا الضجيج، تبقى الحقيقة واضحة: الرئيس عيدروس الزُبيدي موجود في عدن، يمارس مهامه، ويقود ويتحمل مسؤوليته السياسية كاملة. لم يغادر، ولم يهرب، ولم يختفِ.
وهنا تكمن الأزمة الحقيقية: الصمود يُسقط الرواية، ولهذا تتكاثر الأكاذيب.
استهداف الرئيس بهذه الطريقة ليس استهدافًا شخصيًا، بل محاولة لكسر إرادة شعب الجنوب عبر قيادته. غير أن التجربة أثبتت أن هذه الأدوات لا تُنتج استقرارًا، بل تُعمّق الفراغات الأمنية والفوضى السياسية، وتهدد الإقليم والبحر الأحمر، لا الجنوب وحده.