الفصائل المسلحة في العراق واستحقاقات السيادة
الباحثة كنانة خلف الكردي
تُمثّل أزمة انتشار السلاح خارج إطار الدولة في العراق إحدى أكثر المعضلات الجيوسياسية والأمنية تعقيداً...
تُمثّل أزمة انتشار السلاح خارج إطار الدولة في العراق إحدى أكثر المعضلات الجيوسياسية والأمنية تعقيداً في الشرق الأوسط؛ إذ يتجاوز المشهد مجرد وجود "جماعات مسلحة" إلى كونها بنية موازية تُنازع بغداد في احتكار الشرعية واستخدام القوة. يُعدّ ملف تجريد الفصائل المسلحة من سلاحها حجر الزاوية في بناء "الدولة الوطنية"، والركيزة الأساسية لتحقيق الاستقرار السياسي والاقتصادي المُستدام.
محددات المشهد الراهن والتحديات الهيكلية
تتداخل مجموعة من الأبعاد الأمنية، السياسية، والإقليمية التي تعرقل مسار "حصر السلاح بيد الدولة"، ويمكن إجمالها في النقاط التالية:
* الازدواجية المؤسسية (هيئة الحشد الشعبي): تُعد هيئة الحشد الشعبي مؤسسة أمنية رسمية تُقرها القوانين وتُمول من الموازنة العامة للدولة، لكنها تضم في أحشائها تنظيمات ذات ولاءات أيديولوجية وعبر وطنية. هذا التداخل بين "شرعية الدولة" و"استقلالية الفصيل" يمنح هذه الجماعات غطاءً رسمياً يُصعّب من عملية تفكيكها أو تجريدها من السلاح دون الاصطدام بالمؤسسة الأمنية الرسمية.
* عقيدة "الدفاع الوطني المتقدم": يُشكل العراق الركيزة الأساسية في الاستراتيجية الإقليمية لبعض القوى الإقليمية، وتحديداً إيران، التي ترى في نفوذ الفصائل العسكرية حائط صد جيوسياسي ومساحة مناورة للضغط الدولي. بناءً عليه، فإن تفكيك هذا السلاح يُعد في منظور هذه القوى تراجعاً إستراتيجياً غير مقبول في معادلة النفوذ الإقليمي.
* معادلة الاقتصاد السياسي للسلاح: لم تعد الفصائل مجرد أجنحة عسكرية ذات أهداف عقائدية، بل نمت لتصبح شبكات مصالح اقتصادية ضخمة تمتد للسيطرة على المنافذ الحدودية، والعقود الحكومية، والمشاريع الاستثمارية. هذا النفوذ المالي يجعل من التخلي عن السلاح تهديداً مباشراً لمواردها ونفوذها السياسي.
سيناريوهات المستقبل واستشراف المسارات
تتحرك الأزمة نحو ثلاثة سيناريوهات رئيسية تتوقف على مدى صمود الحكومة العراقية وطبيعة التوازنات الإقليمية والدولية:
السيناريو الآليات والمظاهر احتمالية التحقق
الاندماج الصوري (التدجين) نقل مخازن السلاح الثقيل إلى مستودعات رسمية تابعة للحشد الشعبي دون تفكيك القيادات الفعلية أو السيطرة على القرار العسكري. عالية جداً (حل وسط يُرضي الطرفين ظاهرياً)
المواجهة الأمنية المباشرة صدام عسكري مباشر بين القوات النظامية (كالجيش وجهاز مكافحة الإرهاب) والفصائل الرافضة للتسليم. منخفضة (بسبب كلفته العالية على السلم الأهلي)
التأجيل والاحتواء الذكي ربط ملف السلاح بالتفاهمات الإقليمية، وتقديم حوافز سياسية للقيادات السياسية للفصائل مقابل إنهاء مظاهر السلاح المنفلت. متوسطة
متطلبات التحول الاستراتيجي وبناء الدولة
إن معالجة هذه الأزمة تستلزم رؤية شاملة تتجاوز المهل الزمنية والإجراءات الإدارية البسيطة:
1. الفصل التشريعي والسياسي: إقرار قوانين صارمة تُفعل "قانون الأحزاب" وتمنع أي قوة مسلحة من المشاركة في العمل السياسي أو الانتخابات، مع فصل الهياكل الحزبية عن القيادات العسكرية داخل الحشد الشعبي.
2. بناء منظومة دفاع مستقلة: إنهاء الذرائع المتعلقة بـ "الفراغ الأمني" عبر تعزيز قدرات الجيش العراقي النظامي والمؤسسات أمنية، واحتكار القرار العسكري بيد القائد العام للقوات المسلحة حكراً.
3. توظيف التهدئة الإقليمية: الاستفادة من التفاهمات الإقليمية الجارية للوصول إلى ضمانات تكفل عدم استخدام الأراضي العراقية كساحة لتصفية الحسابات أو استهداف المصالح الأجنبية.
تجريد الفصائل من سلاحها ليس مجرد قرار أمني تُصدره الحكومة، بل هو عملية "تأسيس ثانية" للسيادة العراقية؛ فبدون احتكار الدولة الصارم للسلاح والقرار العسكري، ستبقى بغداد رهينة للتجاذبات الداخلية والإقليمية.
الباحثة كنانة خلف الكردي