أوروبا تستعد لتسونامي من البضائع الصينية
تستعد أوروبا لموجة جديدة من عدم الاستقرار الاقتصادي، إذ يحذر المحللون من أن الرسوم الجمركية الواسعة التي فرضها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد تؤدي إلى تدفق هائل من الواردات الصينية منخفضة السعر، مما يزيد من الضغوط على القاعدة الصناعية المتعثرة في القارة.
ومع دفع التعريفات الأمريكية للمنتجين الصينيين وغيرهم من الآسيويين إلى إعادة توجيه صادراتهم، تستعد بروكسل لإجراءات طارئة جديدة لحماية أسواقها من الغزو بالسلع الرخيصة.
مخاطر دوامة التصعيد.. هل أخطأت الصين برد الصفعات التجارية لترامب؟
ووفقا لتقرير لصحيفة "فايننشال تايمز"، قد أدى التأثير المباشر لتعريفة الرئيس الأمريكي الجديدة البالغة 20% على المنتجات الأوروبية إلى زعزعة قطاعات التصنيع في القارة، لا سيما في مجالات السيارات والصلب، التي كانت مستهدفة بالفعل في ولايته الأولى. لكن موجة ثانية، أكثر ضرراً على الأرجح، بدأت تتشكل -ليس من واشنطن، بل من بكين. وكتب كارستن برزيسكي، كبير خبراء الاقتصاد العالمي في شركه "ING"، في مذكرة للعملاء: "أسوأ كوابيس أوروبا الاقتصادية تحقق الآن".
جدار التعريفات
ووفقا للتقرير، فقد تودي سياسات ترامب الجمركية العدوانية، بما في ذلك فرض تعريفة بنسبة 34% على الواردات الصينية و46% على المنتجات الفيتنامية، لخلق ما وصفه روبن وينكلر - كبير الاقتصاديين في "دويتشه بنك" في ألمانيا - بأنه "جدار تعريفي هائل" أمام المصدرين الآسيويين. ونتيجة لذلك، يتوقع أن يحول العديد من المصنعين الصينيين تركيزهم إلى أوروبا، بحثاً عن أسواق بديلة لفائض منتجاتهم، من الأجهزة الكهربائية إلى الآلات الصناعية.
ورغم أن بعض المحللين تكهنوا بأن حرب ترامب التجارية قد تدفع الاتحاد الأوروبي والصين للتقارب، فإن بروكسل ازدادت حذراً. وقد حذّر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من أن الرسوم المرتفعة على الدول الآسيوية قد تدفعها إلى إعادة توجيه فائض طاقتها الإنتاجية إلى أوروبا، مما قد يؤدي إلى "عواقب هائلة" على الصناعات الأوروبية.
وردا على ذلك، بدأ المسؤولون في الاتحاد الأوروبي في تعزيز مراقبة تدفقات الواردات، ويعدّون تعريفات وقائية لحماية الصناعات الضعيفة. وقال دبلوماسي كبير في الاتحاد الأوروبي: "سيتعين اتخاذ تدابير وقائية لحمايه الصناعة"، فيما يتوقع الاتحاد أن تتصاعد التوترات مع الصين التي لن تقوم بتقليص استراتيجيتها المعتمدة على تصدير الفائض الإنتاجي.
وفي وقت سابق، فرض الاتحاد الأوروبي بالفعل تعريفات تصل إلى 35% على السيارات الكهربائية الصينية. ومع ذلك، يشير المسؤولون إلى أن هناك حاجة إلى تعريفات أعلى بكثير إذا بدأت منتجات صينية أخرى بالتدفق إلى الأسواق الأوروبية.
ويتفق الاقتصاديون على أن المخاطر في تصاعد، حيث آشار أندريه شتشيبنياك من شركه "نومورا إلى أن تعريفات ترامب على الصين كانت "أشد بكثير مما كان متوقعاً"، مما يزيد من احتمال "إغراق الأسواق الأوروبية بالسلع الصينية" بشكل كبير.
سوابق اقتصادية
وكان على الاتحاد الأوروبي التعامل مع ضغوط مماثلة خلال الولاية الأولى لترامب. ففي عام 2018، فرضت بروكسل تعريفات "وقائية" بنسبة 25% على واردات الصلب التي تتجاوز الحصص، لمنع تحويل المنتجات من دول مثل الصين إلى السوق الأوروبية بسبب الحواجز الأمريكية. ويقول المسؤولون إنهم مستعدون للتحرك مجدداً. وقال مسؤول كبير في المفوضية: "يمكننا إغلاق أسواقنا إذا واجهنا تدفقاً مفاجئاً وغير متوقع من الواردات".
ومع ذلك، تُظهر التجربة السابقة مدى صعوبة مواجهة الإنتاج الصيني المدعوم. فقد انخفض إنتاج الصلب الأوروبي في 2024، بينما واصلت دول أخرى التوسع في إنتاجها، وفقاً لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD). وتشير أحدث بياناتها إلى أن الفائض العالمي في الطاقة الإنتاجية للصلب سيزيد من 602 مليون طن في 2024 إلى 721 مليون طن في 2027 — أي أكثر من خمسة أضعاف إنتاج الاتحاد الأوروبي بأكمله.
وقال أكسل إيغرت، المدير العام لمجموعة صناعة الصلب الأوروبية "يوروفر": "هذا الوضع غير المستدام يبرز أوجه القصور في تدابير الحماية الأوروبية، حيث لا يمكن معالجة التباين المتزايد بين الواردات المسموح بها إلى السوق الأوروبية والطلب الفعلي".
حالة ألمانيا
أما ألمانيا، القوة الصناعية في أوروبا، فهي معرضة بشكل خاص لتلك المخاطر. وحذّر كليمنس فوست، رئيس معهد "إيفو" الاقتصادي، من أن حرب ترامب التجارية قد تُلحق ضربة مزدوجة بالصناعة الألمانية. فمن جهة، ستزيد الصين من صادراتها إلى الأسواق الأخرى مما سيشكل ضغطاً إضافياً على الشركات الألمانية، ومن جهة أخرى، قد تشتري الصين كميات أقل من السلع الألمانية بسبب مشاكلها الاقتصادية الداخلية. ويأتي كل هذا فوق التهديد الذي يواجهه المصنعون في ألمانيا وغيرها نتيجة الحواجز الأمريكية الجديدة. ومع ركود الاقتصاد الألماني حالياً، فقد تدفع التعريفات الأمريكية البلاد إلى الركود مجدداً، حسبما أضاف فوست.