ترامب يذكي التوترات التجارية مع فرض رسوم مضادة وشاملة
أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترامب الأربعاء “أمّ المعارك التجارية” تنفيذا لما توعد به باستمرار منذ حملته الانتخابية، مع فرض رسوم جمركية جديدة هدفها افتتاح “عصر ذهبي” للولايات المتحدة، غير أنها قد تتسبب بانهيار الاقتصاد العالمي.
وقبل الإعلان الرسمي للرسوم المضادة والشاملة كتب ترامب عبر منصته تروث سوشيال للتواصل الاجتماعي “هذا هو يوم التحرير في الولايات المتحدة،” في إشارة إلى المشروع الذي وعد بتحقيقه.
ويحدق الخطر بالتجارة العالمية التي يبلغ حجمها نحو 33 تريليون دولار، وتواجه دول بدءاً من البرازيل ووصولاً إلى الصين احتمال تراجع صادراتها إلى السوق الأميركية بما بين 4 إلى 90 في المئة، وفق بلومبيرغ إيكونوميكس.
وارتفع مؤشر بلومبيرغ إيكونوميكس لضبابية السياسة التجارية العالمية الثلاثاء إلى أعلى مستوى على الإطلاق في البيانات المسجلة منذ عام 2009.
وتحدث محللون في غولدمان ساكس في مذكرة عن المخاطر الاقتصادية المرتبطة بأحدث حملة قيود جمركية والتي سيكون لها التأثير السلبي ذاته مثل زيادة في الضرائب على الاستهلاك والقدرة الشرائية.
ورجّحوا ارتفاع متوسط الرسوم الأميركية على كل الدول بمقدار 15 نقطة مئوية هذا العام، وحذروا من أنها ستؤدي إلى ارتفاع معدل التضخم الأساسي، وتباطؤ النمو الاقتصادي، وتزايد خطر الركود.
وسياسيا، لا يستطيع ترامب أن يتراجع تماما عن فرض الرسوم التي وصفها بأنها “أجمل كلمة في القاموس،” بعدما روّج لها على أنها عصا سحرية قادرة على النهوض مجددا بالصناعة الأميركية وإعادة التوازن إلى الميزان التجاري وسد العجز في الميزانية.
وترامب المعجب بالنهج الحمائي المطبق ببلاده في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، يستخف بالمخاوف بشأن مخاطر التضخم وانهيار البورصات، وهو الذي انتخب بناء على وعد بخفض كلفة المعيشة على الأميركيين.
وقد عمد منذ عودته إلى البيت الأبيض مطلع هذا العام إلى زيادة الرسوم على المنتجات الصينية وقسم كبير من البضائع الآتية من المكسيك وكندا المجاورتين، وعلى كل واردات الصلب والألمنيوم.
وتعليقا على هذه السياسة المثيرة للجدل، قالت رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد في تصريحات لإذاعة أيرلندية إن ما يتخذه ترامب “لن يكون في صالح الاقتصاد العالمي.”
وأضافت “لن يكون في صالح أولئك الذين يفرضون الرسوم ولا أولئك الذين يردّون عليها (عبر فرض رسوم مضادة). هذا سيلحق اضطرابا بعالم التجارة كما نعرفه.”
أما في ألمانيا، فقال المتحدث باسم الحكومة شتيفن هيبسترايت إن “تكاليف الحرب التجارية لا يتحملها طرف واحد، بل قد تصبح كلفتها باهظة على كلا الجانبين،” مضيفا أن بلاده “مستعدة وراغبة في التفاوض على المستوى الأوروبي مع الولايات المتحدة” لتجنب ذلك.
وقالت كارولين ليفيت المتحدثة باسم البيت الأبيض إن “الرسوم الجديدة ستدخل حيز التنفيذ فور الإعلان عنها، بينما ستدخل رسوم منفصلة بنسبة 25 في المئة على جميع واردات السيارات حيز التنفيذ الخميس.
تريليون دولار متوسط حجم التجارة العالمية سنويا، بحسب تقديرات بلومبيرغ إيكونوميكس
وذكر ترامب مرارا أن الخطة تهدف إلى موازنة الرسوم المنخفضة عموما مع تلك التي تفرضها الدول الأخرى ومواجهة قيودها غير الجمركية التي تضر بالصادرات الأميركية.
وسيتعرض الشركاء التجاريون في جميع السيناريوهات إلى تداعيات جسيمة. وتتصدر الصين والاتحاد الأوروبي والهند قائمة الدول المتضررة رغم أن اقتصاداتها قد تتمكن من التكيف مع الوضع، بينما ستكون كندا ودول جنوب شرق آسيا الأكثر تأثراً بشكل عام.
وعدد الدول التي ستفرض عليها الرسوم سيتجاوز 15 دولة، وهو الذي قال وزير الخزانة سكوت بيسنت في وقت سابق إن الإدارة “تركز عليه نظرا للاختلال التجاري الواسع للولايات المتحدة مع تلك البلدان.”
وقد تكون الوطأة هائلة على الاقتصاد العالمي. ففي العام 2024 استوردت الولايات المتحدة حوالي 3.3 تريليون دولار من البضائع.
وقال النائب الجمهوري بمجلس النواب كيفن هيرن إن بيسنت أبلغ الأعضاء الجمهوريين في المجلس أن الرسوم المضادة تمثل “سقفا” لأعلى مستوى رسوم أميركية ستواجهه الدول، وربما تنخفض في حال استجابتها لمطالب الولايات المتحدة.
واعتبر المسؤول السابق في وزارة التجارة رايان ماجيروس أن تطبيق رسوم عالمية سيكون أسهل في ظل جدول زمني ضيق وقد يدر إيرادات أكبر، لكن تطبيق الرسوم المضادة على كل دولة على حدة ستكون أكثر ملاءمة لممارسات التجارة غير العادلة للدول.
وأضاف “على أيّ حال، ستكون آثار قرارات اليوم كبيرة على مجموعة واسعة من القطاعات.”
وانتهت الأربعاء فترة إعفاء مدتها شهر واحد لمعظم السلع الكندية والمكسيكية من الرسوم الجمركية المتعلقة بالفنتانيل البالغة 25 في المئة.
وحاول شركاء الولايات المتحدة الاستعداد للصدمة باعتماد خطاب حازم وفي الوقت نفسه إبداء استعداد للحوار واتخاذ مبادرات تهدئة.
وأعلن رئيس الوزراء الكندي مارك كارني أن بلاده ستكون “متأنية جدا” في ردها على “الإجراءات غير المبررة التي تتخذها الحكومة الأميركية.”
واستبعد صندوق النقد الدولي أن يؤدي سعي ترامب لفرض رسوم شاملة إلى ركود اقتصادي عالمي على المدى القريب رغم أنه يُولّد حالة كبيرة من عدم اليقين ويُضعف الثقة بين المستهلكين والمستثمرين وكل ما له علاقة بالإنتاج والتجارة.
وشددت كريستالينا جورجيفا المديرة العامة لصندوق النقد الدولي على التحديات التي تواجه الاقتصاد العالمي الذي لا يزال يُسجل نموًا مُخيبًا للآمال بعد تداعيات الجائحة، لكنها حذرت من المبالغة في القلق بسبب هجمة الرسوم الأميركية.
وقالت في أول مقابلة لها مع رويترز نيكست نيوز ميكر منذ تولي ترامب منصبه إنه “من المرجح أن يُخفّض صندوق النقد توقعاته قليلاً في تحديثه القادم للاقتصاد العالمي بعد ثلاثة أسابيع، لكننا لا نرى ركودًا في الأفق.”
وأضافت “ما نراه في المؤشرات عالية التردد يُشير بالفعل إلى أن ثقة المستهلكين المستثمرين تتراجع إلى حد ما، ونعلم أن ذلك سيؤثر على آفاق النمو.”
ومع ذلك، أكدت أن المؤسسة الدولية المانحة لم تر بعد “تأثيرًا كبيرًا” للرسوم الأميركية وهدد ترامب بفرضها حتى الآن منذ توليه الرئاسة.
وتأمل بعض الدول الحصول على معاملة أكثر مراعاة، على غرار فيتنام التي خفضت رسومها الجمركية على مجموعة من السلع في محاولة لاسترضاء واشنطن. وتسعى دول مصدرة كبرى أخرى لعقد تحالفات تمكنها من اكتساب وزن بمواجهة واشنطن.