بين كماشة الداخل وضغوط الخارج.. توازنات تهدد حكومة إيطاليا
مع تصاعد الخلافات حول خطط إعادة التسلح الأوروبي ودور الاتحاد الأوروبي في أوكرانيا، تبدو إيطاليا عالقة بين طموحات باريس وبرلين العسكرية وتوازناتها الداخلية الهشة.
فرؤى شركائها السياسيين تتباين بين التقارب مع أوروبا أو الإبقاء على التحالف الوثيق مع واشنطن.
اختبار صعب تجد رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني نفسها أمامه، فيما يتوقف تماسك ائتلافها الحاكم على نجاحها في اجتيازه: فهل تستطيع ميلوني الموازنة بين التحديات الداخلية والتقلبات الدولية دون أن تخسر أحد جناحي تحالفها؟
تقول مجلة "بوليتيكو" الأمريكية، إنه لسنوات، حافظت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني على تماسك حكومتها لكن الضغوط تتزايد على نحو مفاجئ.
وتحولت خطط إعادة التسليح الأوروبية الضخمة ودور الاتحاد الأوروبي في أوكرانيا إلى صداع سياسي مُقلق لرئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني.
وترفض ميلوني زعيمة ثالث أكبر اقتصاد في الاتحاد الأوروبي، خطاب فرنسا وألمانيا المتحمّس الذي يرى أن الوقت قد حان لأوروبا لبناء جيوش عالمية ذات وزن ثقيل، وأن تحل محل أمريكا كضامن رئيسي لأمن أوكرانيا في مواجهة روسيا.
ويعكس موقف ميلوني من إعادة التسلح الأوروبي، إيمانها بأنه لا ينبغي لروما اتخاذ خيار بشأن الانحياز إلى أوروبا ضد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وفقا لمجلة "بوليتيكو" الأمريكية.
حسابات داخلية
لكنّ هناك أيضًا حسابات سياسية داخلية فعلى الجناح الأيمن لميلوني، يسعى نائب رئيس الوزراء ماتيو سالفيني إلى إنعاش حظوظه السياسية من خلال اللعب على وتر رفض الناخبين لتدخل روما في حفظ السلام بأوكرانيا حيث تشير استطلاعات الرأي إلى أن 6% فقط من الإيطاليين يرونها فكرة جيدة.
كما يشعر الناخبون بالقلق بشأن تأثير زيادة الإنفاق العسكري على المالية الإيطالية المتعثرة أصلًا ولا تريد ميلوني أن يُنظر إليها على أنها تجرّ نحو منطقة حرب بسبب طموحات باريس وبرلين.
ويُعد التحدي الذي تواجهه ميلوني هو أن يوازن ائتلافها الموازنة بين مصالح حزب الرابطة من أقصى اليمين بزعامة سالفيني، المعجب بترامب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وبين مصالح شريك رئيسي آخر في الائتلاف هو حزب "فورزا إيطاليا" اليميني الوسطي بزعامة نائبها الآخر، أنطونيو تاجاني الأكثر تأييدًا لأوروبا، والذي أعلن دعمه علنًا لتشكيل جيش أوروبي.
ورغم أن حكومة ميلوني مستقرة بشكل غير معتاد بالمعايير الإيطالية، لكنها مضطرة لاحتواء الخلاف بين سالفيني وتاجاني.
وتتجلى التوترات السياسية بشكل أوضح في خطاب ميلوني المتغير خلال الأسابيع الماضية حيث قللت من ثقتها السابقة في أن أوكرانيا ستحقق النصر، وأثارت شكوكًا حول خطط الاتحاد الأوروبي لإعادة التسليح، كما قللت من شأن احتمال خوض الدول الأوروبية غمار الحرب بمفردها دون الحاجة إلى أمريكا.
وفي تصريحات لـ"بوليتيكو"، أصر حلفاء ميلوني المؤيدون للاتحاد الأوروبي داخل الائتلاف الحاكم أن رئيسة الوزراء الإيطالية لا تزال أوروبية ملتزمة في جوهرها، وأن تعليقاتها الأخيرة كانت في معظمها بمثابة تنازل لسالفيني.
محاولة خطرة
وقال جيوفاني أورسينا، أستاذ التاريخ المعاصر بجامعة لويس في روما إن ميلوني "تُخاطر الآن بالتحول من صديقة لكلا الجانبين، إلى عدو لكليهما".
وفي حين لا تزال ميلوني ملتزمة بأوروبا، فإن تغيير خطابها يعكس تشكك روما في وتيرة ونطاق خطط إعادة التسلح في الاتحاد الأوروبي وذلك وفقًا لما ذكره مسؤولون إيطاليون تحدثوا شريطة عدم الكشف عن هويتهم.
وتتألف خطة إعادة التسلح التي اقترحتها المفوضية الأوروبية من 150 مليار يورو كقروض رخيصة ومرونة مالية أكبر تصل إلى 650 مليار يورو للدول التي لا تملك حيزًا ماليًا كافيًا.
وقال مصدران مطلعان إن روما تُدرك أنها أضعف وأصغر حجمًا من فرنسا وألمانيا، ولديها رؤية أكثر واقعية لقطاع الدفاع الأوروبي غير المتطور وفرصه المحدودة في مواجهة روسيا بدون دعم الولايات المتحدة.
والشهر الماضي، سعت إيطاليا إلى زيادة مشاركة القطاع الخاص في خطة إعادة التسليح، والتي تخشى أن تؤدي إلى ارتفاع تكاليف الاقتراض في وقت تخضع فيه لأوامر الاتحاد الأوروبي بتقليص ديونها الباهظة.
كما قللت علاقة إيطاليا الوثيقة بالولايات المتحدة من اعتمادها على جيرانها الأوروبيين، وفقًا لمصدر مطلع قال إن روما لا تريد أن تكون تحت رحمة فرنسا وألمانيا في حال انهيار التحالف عبر الأطلسي.
ويدرك الحلفاء انزعاج إيطاليا، ففي مقابلة مع صحيفة "كورييري ديلا سيرا" قبل أيام سعت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين إلى طمأنة روما بأن شركتها الدفاعية الرائدة، ليوناردو، ستستفيد بشكل كبير من زيادة الإنفاق الدفاعي وستلعب دورًا مهمًا في إعادة تسليح أوروبا.
كما تضمن آخر تحديث لخطط إعادة تسليح الاتحاد الأوروبي أحكامًا لتمويل القطاع الخاص ومن غير المرجح أن يُطمئن ذلك ميلوني.
ويرى ستيفانو ستيفانيني، الدبلوماسي الإيطالي الرفيع السابق وسفير الناتو، أن تصرفات ميلوني تعكس أيضًا إيمانًا، بإمكانية إنقاذ التحالف عبر الأطلسي، وأن انهياره مُبالَغ فيه.
وقال نائب يسار الوسط ووزير الشؤون الأوروبية السابق، إنزو أميندولا، إن جهود المصالحة التي تبذلها ميلوني ستترك إيطاليا في "منطقة محايدة بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة".
قطيعة كاملة؟
وشكك دانيلو ديلا فالي، عضو البرلمان الأوروبي عن حركة " النجوم الخمس" اليسارية الشعبوية في حدوث قطيعة كاملة بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وقال مصدر مطلع إن القادة الفرنسيين والألمان الانتهازيين يستغلّون التوترات مع الولايات المتحدة.
وتواجه ميلوني انقسامات داخلية بعدما طغت في السنوات الأخيرة على سالفيني ويُهدّد مؤتمر "رابطة الشمال" في فلورنسا الشهر المُقبل بالكشف عن انقسامات عميقة داخل صفوف الحزب لذا يبذل سالفيني جهودًا حثيثة لإظهار أوراق اعتماده الشعبوية واستعادة الدعم بين قاعدته الشعبية المتراجعة.
ويواجه سالفيني انتقاداتٍ لتعامله الأحادي مع إدارة ترامب بما في ذلك مكالمة غير مصرح بها مع نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس، الكاره لأوروبا، الشهر الماضي.
والأكيد أن سالفيني لن يُنسف الائتلاف في أي وقت قريب، بعدما أدرك مخاطر الاستعراض السياسي إثر خروجه الكارثي من حكومة ائتلافية مع حركة "النجوم الخمس" عام 2019 وفقًا لما ذكره عضو مجلس الشيوخ عن الرابطة، كلاوديو بورغي الذي قال لـ"بوليتيكو" إن تحول ميلوني بشأن أوكرانيا هدأ نواب الحزب إلى حد كبير.
وحتى مع سعي ميلوني لاستعادة نفوذها في اليمين، فإن أفعالها الأخيرة تشير أيضًا إلى أنها تستكشف بدائل لميلوني وفقًا لفرانشيسكو غالييتي، المسؤول السابق في وزارة الخزانة.
وقبل أيام أثارت ميلوني الدهشة بإشادتها بمنافسها السياسي الوسطي كارلو كالندا، الذي يقود حزب "أزيوني" الصغير المكروه على نطاق واسع من قبل أقصى اليمين وهو مؤيد صريح لإعادة تسليح الاتحاد الأوروبي والذي اعتبره غالييتي "درعها ضد سالفيني".