وكالات..

عقوبات أميركية جديدة.. زلزال وشيك قد يطيح بالاقتصاد العراقي

وكالة أنباء حضرموت

سيناريوهات متشائمة برزت في العراق عقب صدور لائحة عقوبات أميركية ضد قطاعات اقتصادية ونواب وشخصيات متهمين بدعم الحرس الثوري الايراني، وتهريب السلاح الى مليشيات في سوريا ولبنان.

وتتخلص تلك المخاوف من أضرار ستلحق بقطاع الطيران في البلاد، كما يمكن ان تتوقف إمدادات الدولار من الولايات المتحدة إلى العراق مما يسبب أزمة اقتصادية.

وأعلنت وزارة الخزانة الأميركية الإثنين الماضي، أن الولايات المتحدة فرضت عقوبات اقتصادية على شركة الطيران العراقية متدنية الكلفة "فلاي بغداد" ومديرها التنفيذي لاتهامهما بتقديم المساعدة للحرس الثوري الإيراني.

وتشمل العقوبات كذلك "ثلاثة من قادة وأنصار إحدى الميليشيات الرئيسية لفيلق القدس في العراق"، وهي كتائب "حزب الله"، بالإضافة إلى شركة "تقوم بنقل وتبييض الأموال" لصالح هذه الميليشيا، حسب بيان للوزارة الأميركية.

وتقول مصادر عراقية قريبة من الدوائر الأميركية لـ"جسور" ان شركة فلاي بغداد التي يعتقد بانها تابعة لأحد الأحزاب الشيعية في العراق "انفضح أمرها حين انزلقت شاحنة قبل عدة اشهر شرقي لبنان (الكحالة) وكانت محملة بالأسلحة القادمة من على متنها".

وكانت اشتباكات جرت في آب الماضي/ أغسطس،  بين الأهالي في منطقة بشرقي لبنان ومسلحين مدنيين هرعوا لحماية الشاحنة التي انقلبت وظهر بعد ذلك أنها تحمل سلاح.

ووفق المصادر، إن السلاح الذي كان في العجلة "هو سلاح أميركيي مهرب من العراق عن طريق شركة فلاي بغداد لصالح مليشيات قريبة من الحرس الثوري في لبنان وسوريا".

هذه الاتهامات رفضتها الشركة العراقية، وقالت في بيان  أنها تستنكر القرار الأميركيي "كونه غير مبني على أية أدلة مادية أو معنوية بإمكانها إدانة الشركة"، مشيرة إلى أنها "عملت لسنوات تحت الإشراف المباشر للحكومة العراقية ممثلة بسلطة الطيران المدني العراقي ووزارة النقل كما أنها العضو الوحيد لمنظمة الاياتا في العراق".

ولفتت إلى أن جميع عملياتها "تكون بإشراف سلطة الطيران المدني العراقي وجميع السلطات في المنطقة حيث تنفذ رحلاتها اليومية وتخضع للتفتيش المركز في جميع المطارات".

وطالبت "فلاي بغداد" الخزانة الأميركيية بـ "اي دليل مادي بإمكانه أن يدين الشركة أو إدارتها"، محذرة من أنها سوف تلجأ إلى "الطريق القانوني للمطالبة بالتعويض المادي والمعنوي حيث من الواضح أن القرار جاء مبنياً على معلومات مضللة وغير حقيقة ولا يمكنها أن تصمد أمام القانون".

وكانت وزارة الخزانة الأميركية قد أدرجت الشركة ورئيسها التنفيذي بشير عبد الكاظم على لائحة عقوباتها بسبب "تقديم المساعدة" لفيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني.

الخزانة الأميركية نوّهت إلى أن "فلاي بغداد" دعمت "عمليات فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني ووكلائه من خلال تسليم العتاد والأفراد في جميع أنحاء المنطقة".

واشارت الخزانة إلى  أن الشركة "قامت بتسليم شحنات أسلحة إلى مطار دمشق الدولي في سوريا"، لنقلها إلى "الحرس الثوري الإيراني، فيلق القدس والميليشيات المتحالفة مع إيران على الأرض في سوريا، بما في ذلك الحرس الجمهوري السوري وحزب الله اللبناني وكتائب حزب الله".

من هو صاحب "فلاي بغداد" ؟

تشير تسريبات في العراق وصلت إلى "جسور" بان مالك الحقيقي لأسهم شركة "فلاي بغداد" تعود لـ"أحمد أسد" وهو رجل أعمال من مدينة النجف، جنوب بغداد، وقريب من حزب الدعوة الذي يتزعمه نوري المالكي، رئيس الوزراء العراقي الأسبق.

كما ملك الشركة الحقيقي هو صاحب جامعة البيان، وهي جامعة اهلية قريبة من مطار بغداد، غربي العاصمة، ولديه علاقات متميزة مع طارق نجم، القيادي البارز في "الدعوة" والمدير السابق لمكتب نوري المالكي.

و"أحمد أسد"‏ وهو أحد شركاء شركة البعد الرابع والتي قامت بأول مشروع استثماري في محافظة النجف للبيوت الجاهزة تحت اسم قرية الغدير الأولى والثانية، ولدى هذه الشركة مشاريع كبيرة أخرى في العراق.‏ ‏

وقبل ذلك كان يمتلك أحمد عبد الصاحب الحكيم (إبن عم عمار الحكيم زعيم تيار الحكمة ) حصة في إدارة شركة الطيران ثم قام ببيعها في 2018 إلى أحمد أسد ليصبح الأخير مالكها الوحيد.

وبخصوص بشير الشيباني، الذي جاء اسمه في العقوبات الأميركية، فهو المدير التنفيذي للشركة، ولا يمتلك فيها أسهمًا، لكنه صاحب قرارات نقل الأسلحة والمعدات الحربية من بغداد الى سوريا ولبنان.

وتقدم شركة "فلاي بغداد" عروض مخفضة لأسعار الرحلات، فيما اعتبر مجاهد الطائي، الباحث في الشأن السياسي العراقي تلك "العروض المغرية" بمثابة "دروع بشرية للتغطية على نقل الممنوعات".

وقال الطائي :"كنت دائمًا أتساءل كيف تكسب هذه الشركة مع تلك العروض المخفضة وفي أغلب رحلاتها تكون نصف الطائرة خالية من المسافرين؟!".

وكانت السفيرة الأميركية لدى بغداد ألينا رومانوسكي قالت أن استخدام إيران شركة طيران عراقية لـ "تهريب الأسلحة والمقاتلين والدولار" يمثل "انتهاكًا صارخًا لسيادة العراق"

وأضافت في تغريدة على منصة إكس إن هذا القرار يؤكد "عزم الولايات المتحدة على التصدي للتهديد المستمر الذي يمثله الحرس الثوري الإيراني وشبكته الموالية في العراق".

وجاء القرار في أعقاب لقاء أجرته رومانوسكي في خلال يومين مع زعامات الإطار التنسيقي، أبرزهم نوري المالكي، وحيدر العبادي، إضافة إلى اجتماع مع رئيس الوزراء محمد السوداني.

بدوره يقول إحسان الشمري رئيس مركز التفكير السياسي لـ"جسور" تعليقًا على صدور عقوبات أميركية على قطاع شركات الطيران، بأن "هذا الإجراء سوف يمنع السماح للطيران العراقي من التحليق فوق بعض الأجواء وعدم استقبال الطيران العراقي في المطارات".

وأضاف أن هذه العقوبات "ستضع الطيران العراقي ضمن الطيران الذي يتعامل مع الإرهاب، وهذا أمر خطير على الاقتصاد العراقي".

وتوقع الشمري، وهو أستاذ السياسات الدولية في جامعة بغداد أن "تدفع هذه العقوبات إلى قرارات لاحقة في أدراج مطارات عراقية محددة على اللائحة السوداء وفي ذلك الوقت ستكون البلاد أمام أزمة كبيرة".

عقوبات جديدة متوقعة

ويكشف الأكاديمي العراقي عن وجود مشروع أميركي جديد في الكونغرس، يدرج فيه 3 فصائل عراقية مع زعماء تلك الفصائل إلى لائحة العقوبات، وهو أمر منفصل على لوائح الخزانة الأميركيية.

كما يرجح ان يشمل في قانون الكونغرس المزمع تنفيذه شخصيات عراقية مسؤولين في الدولة، ومصارف عراقية.

واعتبر الشمري أن تلك الاجراءات التي تطال مؤسسات وشخصيات عراقية سوف تضاعف بتعقيد العلاقة بين بغداد وواشنطن، لأن هذه العقوبات "ستلتزم بها كل الدول التي تتعامل مع الولايات المتحدة، وستعني تضييق كبير على الحكومة والبرلمان" بعد إدانة حسين مؤنس النائب عن "حزب الله" ضمن عقوبات الخزانة.

ووفق التصريحات الأميركية فإن مؤنس، وهو عضو بارز في كتائب "حزب الله" ويشغل حاليًا منصب رئيس حزب كتائب حقوق السياسي، حركة حقوق، كان سابقًا رئيسًا للعلاقات الحكومية في كتائب "حزب الله"، وبهذه الصفة كان مشاركًا في العديد من جوانب الأنشطة بما في ذلك خطط جمع معلومات استخباراتية عن العراقيين أو اختطافهم أو حتى اغتيالهم الذين تم تحديدهم على أنهم يعملون مع الولايات المتحدة، وكذلك التخطيط لهجمات إرهابية، على أهداف مدنية بمساعدة فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني.

كما شملت العقوبات  "رياض علي حسين العزاوي"، الذي وصفته الخزانة الأميركية، بأنه متخصص في الطائرات بدون طيار ومهندس في مديرية هيئة الحشد الشعبي.

وأوقد الحميداوي، وهو شقيق أحمد الحمداوي زعيم كتائب "حزب الله"، ويدير الأول شركة "أرض المسل" للسفر والتي تستخدم لأغراض تبييض أموال المجموعة.

إنذار اقتصادي

إلى ذلك وصف الخبير الاقتصادي نبيل المرسومي، العقوبات التي فرضتها وزارة الخزانة الأميركية على شركة "فلاي بغداد" للطيران، بأنها "إنذار اقتصادي أميركيي للعراق".

وقال المرسومي "يتمتع كل من رئيس الولايات المتحدة والكونغرس بسلطة إصدار عقوبات، إذ يسمح قانون السلطات الاقتصادية الطارئة الدولية لعام 1977 للرئيس بفعل ذلك بسهولة كبيرة وقد دفعت واشنطن بالأمم المتحدة إلى فرض عقوبات على جماعات وأشخاص في 180 دولة".

وبين أن الولايات المتحدة تتبنى أربعة أساليب في عقوباتها الاقتصادية، وهي:

1.   التجميد: مصادرة أصول الدولة الموجودة بالخارج وتجميد حسابات مؤسسات الدولة والأفراد المتهمين بالضلوع في صناعة القرارات التي تتقاطع مع المصالح الأميركية.

2.   القيود المالية: الاستبعاد من نظام التحويل المالي (سويفت) لإرسال الأموال عبر العالم، والذي  يستخدم من قبل عدة آلاف من المؤسسات المالية في أكثر من 200 دولة. وتم استخدام هذه العقوبة من قبل ضد إيران وروسيا بعد حربها ضد أوكرانيا.

3.   الاستبعاد من مقاصة الدولار: حظر المعاملات المالية التي تنطوي على استخدام الدولارات الأميركية ومعاقبة أي شركة غربية تتعامل مع شركات الدولة التي تتعرض للعقاب.

4.   منع الوصول لأسواق الديون العالمية: وهو إجراء من شأنه الحرمان من التمويل لتنمية الاقتصاد وقد ترتفع تكلفة الاقتراض في البلاد وقد تنخفض قيمة العملة الوطنية.

وأشار المرسوم إلى أنه إذا ما توسعت العمليات العسكرية في العراق فمن الممكن أن يتعرض العراق للعقوبات الآتية:

1. التوقف عن تسليم الدولار إلى العراق إذ أن القوانين الأميركية مثل قانون "معاقبة أعداء أميركا" تتيح لها عدم تسليم الدولار إلى بعض الدول مما سيخفض كثيرًا من سعر صرف الدينار العراقي مقابل الدولار وقد نشهد انهياراً كبيراً للدينار العراقي يؤدي بالنتيجة إلى تضخم جامح سيذكرنا بالحصار الأميركي على العراق. وقد يتم تجميد احتياطات العراق النقدية في البنوك الأميركية وقد يمتد الأمر إلى استثمارات العراقي الكبيرة في سندات الخزانة الأميركية التي تبلغ نحو 34 مليار دولار.

2. الامتناع عن التعامل مع البنك المركزي العراقي وهو ما يؤدي إلى فقدان ثقة العالم به ويدفعهم إلى التوقف عن التعامل مع البنك المركزي العراقي لأسباب فنية تتعلق بالمعايير النقدية العالمية أو لأسباب تتعلق بالخشية من فرض عقوبات أميركيية على الجهة التي تعامل مع البنك المركزي العراقي.

3. فرض عقوبات على المصارف العراقية وشركات التحويل المالي مما يربك الوضع الاقتصادي ويحد من تمويل التجارة الخارجية.

4. منع العراق من استخدام نظام التحويل المالي (سويفت) الذي يخضع في جانب كبير منه للنفوذ الأميركيي.

5. إيقاف برامج الإقراض والإعمار والمساعدات الفنية التي يقدمها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي للعراق إذ أن هاتين المنظمتين تتحكم بهما الولايات المتحدة.

6. التوقف عن منح العراق الاستثناء الخاص باستيراد الغاز والكهرباء من إيران ما سيؤدي إلى انهيار المنظمة الكهربائية فيه.

7. ستؤثر العقوبات الأميركية المحتملة كثيراً في قطاع النفط إذ ربما ستوقف الولايات المتحدة استيراداتها من العراق التي تصل إلى 400 ألف برميل يوميًا وربما ستتطور العقوبات إلى فرض عقوبات أميركية على الجهات التي تشتري النفط العراقي الذي يشكل 93% من الإيرادات العامة، فضلاً عن امتناع ناقلات النفط الأجنبية من تحميل ونقل النفط العراقي إلى الأسواق العالمية خشية تعرضها للعقوبات الأميركية وستفعل الشيء نفسه شركات التأمين على شحنات العراق النفطية المتجهة للخارج.

8. التأثير السلبي على البيئة الاستثمارية في العراق والمتمثل بإضعاف ثقة المستثمرين وبشكل خاص ما يتعلق بالشركات العاملة في مجال النفط  الأميركية منها والأجنبية مما سيكون له انعكاس على قدرة العراق في الإنتاج والتصدير وعلى مشاريع تطوير الحقول النفطية وخاصة تلك المتعلقة باستثمار الغاز المصاحب التي يعول العراق عليها من أجل خفض استيراداته من الغاز الذي هو المصدر الوحيد لتوليد الكهرباء في العراق، فضلاً عن تأثيراتها السلبية على البرامج الاقتصادية الحكومية في البناء والإعمار.