الحكومة اليمنية تعتمد استراتيجية استنزاف الحوثيين
لا تبدو المعركة الجديدة على جبهات تعز والحديدة مجرد محاولة من القوات الحكومية اليمنية لاستعادة أراضٍ من جماعة الحوثيين، بقدر ما تكشف عن معادلة عسكرية أكثر تعقيداً: استنزاف الحوثيين بدلاً من الذهاب إلى حرب حاسمة لا تملك الحكومة شروطها الكاملة.
لكن هناك مخاوف من أن تنقلب هذه الاستراتيجية رأسا على عقف في وقت تقول فيه مصادر محلية إن الحوثيين يحاولون قطع طرق الإمداد إلى المخا تمهيدًا لهجومهم على المدينة، ما يسهل عليهم السيطرة على السفن الداخلة إلى البحر والخارجة منه عبر باب المندب.
تصريحات رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي تعكس القراءة التي تتحدث عن الاستنزاف إلى حد كبير.
فالعليمي حذر من أن أي محاولة حوثية للتوجه نحو مناطق باب المندب ستتحول إلى «استنزاف قاس» للجماعة، مؤكداً أن القوات الحكومية تتابع التطورات الميدانية وأنها لن تسمح بتحقيق ما وصفه بالهدف الإيراني في السيطرة على المضيق.
وبغض النظر عن الخطاب السياسي المصاحب، فإن عبارة «استنزاف قاس» تحمل دلالة عسكرية مهمة. فهي لا تتحدث عن معركة خاطفة أو حسم قريب، بل عن جعل أي تقدم حوثي في هذه المنطقة مكلفاً ومستمراً.
السيطرة على الساحل الغربي يمكن أن تمنح الحوثيين قدرة أكبر على تهديد خطوط الملاحة الدولية، ولذلك فإن القوات الحكومية لا تستطيع ببساطة الانسحاب وترك الجماعة تقترب من المضيق
وهذا يتوافق مع طبيعة الجبهات الحالية، حيث تمكنت القوات الحكومية من صد هجمات ومحاولات تسلل، بينما وصلت تعزيزات إلى تعز والساحل الغربي.
فالتصعيد الذي بدأ على الساحل الغربي وفي محاور تعز اتخذ طابعاً واسعاً، مع استخدام الحوثيين الصواريخ الباليستية والمسيّرات ومحاولات التسلل والتقدم البري، فيما دفعت القوات الحكومية بتعزيزات إلى الجبهات وشنّت هجمات مضادة. وفي أحدث تطور، دخل الطيران الحربي اليمني للمرة الأولى في هذه الجولة، مستهدفاً مواقع حوثية في جبهة حيس غربي تعز.
لكن خلف هذا التصعيد تبدو استراتيجية مختلفة: لا حسم سريعاً، بل معركة تجعل الحوثيين يدفعون ثمن استمرارها.
وتكتسب جبهات تعز والساحل الغربي أهمية خاصة لأنها تقود باتجاه المخا وباب المندب. وقد تحدثت تقارير عن سعي الحوثيين إلى قطع الطريق الرابط بين تعز والمخا وعزل المدينة عن ساحل البحر الأحمر، فيما تركزت التحركات العسكرية على مناطق قريبة من الممر البحري الاستراتيجي.
لكن التقدم في هذه المنطقة لا يمكن تحقيقه بالصواريخ وحدها.
فالسيطرة على الأرض تعني إرسال قوات إلى مناطق مفتوحة ومعقدة جغرافياً، والاحتفاظ بها، وتأمين خطوط الإمداد، ومواجهة القوات الحكومية والمقاومة المحلية. وهذا يغير طبيعة الحرب بالنسبة إلى الحوثيين: من استخدام القوة النارية بعيدة المدى إلى الاشتباك البري المستمر.
وهنا يمكن أن تكون مصلحة الحكومة واضحة: كلما توسعت الجبهة البرية، ارتفعت كلفة الحفاظ على الزخم الحوثي، وأصبح التقدم أكثر بطئاً وأكثر تعرضاً للهجمات المضادة.
وتعرف القوات الحكومية أن الدخول في معركة مفتوحة واسعة قد لا يكون الخيار الأكثر أماناً.
فالخروج إلى مواجهة فاصلة يعني منح الحوثيين فرصة لاستخدام منظومتهم من الصواريخ والمسيّرات بكثافة، إلى جانب الاستفادة من خبرة تراكمت خلال سنوات الحرب.
أما المعركة المحدودة والمتدرجة، فتسمح للقوات الحكومية باختيار مواقع الاشتباك، وتوزيع الضغط على أكثر من جبهة، واستخدام الدفاعات والهجمات المضادة بدلاً من الالتزام بعملية واحدة ضخمة قد تتحول إلى اختبار مكلف.
ومن هنا، فإن الاستنزاف قد يكون بديلاً عن الحسم.
ليس المطلوب بالضرورة أن تسقط صنعاء أو تنهار جبهة الحوثيين خلال أسابيع، وإنما أن تتراكم الخسائر، وتزداد كلفة الهجمات، ويضطر الحوثيون إلى توزيع قواتهم بين جبهات متعددة.
المعادلة الأكثر إزعاجاً للحوثيين قد لا تكون الخسائر الميدانية وحدها، بل الوقت.
فالجماعة استفادت خلال السنوات الماضية من حرب طويلة سمحت لها بتطوير قدراتها الصاروخية والمسيّرة، وتحويل الحرب اليمنية إلى جزء من صراع إقليمي أوسع. كما استخدمت موقعها الجغرافي للضغط على الملاحة في البحر الأحمر وربط عملياتها بالسياق الإقليمي المرتبط بإيران.
لكن استمرار القتال البري يفرض عليها معادلة مختلفة.
فكل جبهة إضافية تحتاج إلى مقاتلين وإمدادات وقيادة وسيطرة، وكل تقدم يحتاج إلى حماية خطوط الإمداد. وإذا تحولت المعارك إلى حرب عصابات واشتباكات متقطعة، يصبح التفوق في الصواريخ والمسيّرات أقل قدرة على إنتاج حسم سياسي وعسكري سريع.
ولا يمكن فصل هذه المعركة عن البعد الإقليمي للحرب.
فالتحركات الحوثية في البحر الأحمر وباب المندب تمنح الجماعة قيمة استراتيجية تتجاوز الجغرافيا اليمنية، خصوصاً في ظل الصراع الإقليمي الحالي. وقد ربطت الحكومة اليمنية مراراً بين تحركات الحوثيين والمشروع الإيراني في المنطقة.
ومن هذا المنظور، قد تكون الأولوية الحوثية هي الحفاظ على القدرة على الضغط في البحر الأحمر أكثر من خوض حرب استنزاف طويلة على الأرض.
من مصلحة الحكومة إجبار الحوثيين على العودة إلى الأرض، حيث يصبح الاحتكاك المباشر والخسائر البشرية والتقدم البطيء جزءاً من المعادلة
أما الحكومة، فتملك مصلحة معاكسة: إجبار الحوثيين على العودة إلى الأرض، حيث يصبح الاحتكاك المباشر والخسائر البشرية والتقدم البطيء جزءاً من المعادلة.
فالسيطرة على الساحل الغربي يمكن أن تمنح الحوثيين قدرة أكبر على تهديد خطوط الملاحة الدولية، ولذلك فإن القوات الحكومية لا تستطيع ببساطة الانسحاب وترك الجماعة تقترب من المضيق.
لكنها في الوقت نفسه لا تحتاج بالضرورة إلى شن هجوم شامل باتجاه صنعاء.
المعادلة الأكثر واقعية قد تكون الدفاع النشط: منع الحوثيين من التقدم، ضرب مواقعهم، استنزاف قواتهم، فتح جبهات ضغط متفرقة، والحفاظ على خطوط الساحل والمخا وباب المندب.
وهي معادلة لا تحقق نصراً سريعاً، لكنها قد تمنع الحوثيين أيضاً من تحقيق النصر الذي يبحثون عنه.
في هذه المرحلة، يبدو أن الطرفين يخوضان حرباً مختلفة عن فكرة المعركة الفاصلة.
الحوثيون يحاولون تحقيق مكسب جغرافي واستراتيجي على الساحل، بينما تحاول القوات الحكومية تحويل هذا الطموح إلى عبء عسكري.
ولهذا قد لا يكون السؤال الأساسي هو: من يستطيع احتلال مزيد من الأرض؟ بل: من يستطيع تحمل كلفة الحرب لفترة أطول؟
إذا نجحت القوات الحكومية في منع الحوثيين من تحقيق اختراق استراتيجي نحو باب المندب، وإجبارهم في الوقت نفسه على خوض معارك برية متواصلة، فإنها قد تكون حققت هدفاً مهماً حتى من دون استعادة صنعاء.
أما الحوثيون، فإن استمرار القتال في جبهات متعددة قد يضعهم أمام معادلة صعبة: كلما حاولوا توسيع الحرب، زادت الجبهات التي يتعين عليهم الدفاع عنها.
وهنا تتحول الحرب من سباق نحو الحسم إلى اختبار للقدرة على الاستنزاف.
وفي بلد أنهكته سنوات الحرب، قد لا تكون الحكومة قادرة على حسم المعركة عسكرياً، لكنها تستطيع أن تجعل الحسم الحوثي أكثر كلفة وأبعد منالاً.