تهديدات للزيدي بسبب نزع السلاح.. الفصائل تختبر حدود سلطة الدولة

وكالة أنباء حضرموت

يبدو أن إصرار رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي على المضي في مسار حصر السلاح بيد الدولة، بالتزامن مع الانسحاب المرتقب لقوات التحالف الدولي، بدأ يخرج الخلاف بين الحكومة والفصائل المسلحة من دائرة التجاذب السياسي إلى مستوى أكثر خطورة، بعدما تصاعدت رسائل التهديد الموجهة إلى رئيس الحكومة ومسؤولين آخرين يدعمون خطته.

ولا تبدو أهمية التهديدات في مضمونها الأمني فقط، وإنما في كونها تعكس انزعاجاً متزايداً داخل الفصائل من رئيس وزراء لا يبدو مستعداً للتعامل مع ملف السلاح بالطريقة التقليدية التي اتبعتها حكومات عراقية سابقة؛ أي إطلاق مواقف حادة ضد السلاح المنفلت، ثم ترك الملف عالقاً أمام توازنات القوى السياسية والأمنية.

يتعامل الزيدي، وفق المعطيات المتداولة، مع حصر السلاح باعتباره جزءاً من مشروع أوسع لإعادة بناء سلطة الدولة، وليس مجرد عنوان سياسي يمكن استخدامه في البيانات والخطابات. والأهم أنه يربط هذا المسار بالمرحلة التي ستلي انتهاء المهمة العسكرية للتحالف الدولي، والمقرر أن تكتمل في نهاية سبتمبر/أيلول المقبل.

وهذا الربط هو الذي يجعل الفصائل أكثر قلقاً؛ فخروج القوات الأجنبية من العراق، من وجهة نظر الحكومة، يفترض أن يتزامن مع انتقال أكبر للمسؤولية الأمنية إلى مؤسسات الدولة، وليس مع استمرار وجود قوى مسلحة تمتلك قرار الحرب والسلم خارج الإطار الحكومي.

رسالة الفصائل إلى الزيدي تبدو واضحة: التراجع عن ملف السلاح قد يكون الطريق الأسهل لتجنب المواجهة، لكن رئيس الحكومة لا يبدو مستعداً لذلك.

فالمواقف الأخيرة للزيدي، وكذلك ما نقل عن اجتماعاته مع مجلس الوزراء وقوى سياسية، تشير إلى تمسكه بالمسار حتى في ظل المخاطر الشخصية التي قد تترتب عليه.

ووفق معلومات أوردتها قناة «الحرة»، فإن تهديدات غير مباشرة وصلت إلى رئيس الوزراء بالتزامن مع فتح ملف حصر السلاح واقتراب الموعد النهائي لتنفيذ الخطة، فيما اتخذت الأجهزة الأمنية إجراءات إضافية لحمايته وحماية المنطقة الخضراء.

لكن الأخطر أن الخلاف لم يعد مقتصراً على التصريحات. فقد تحدثت معلومات عن إجراءات أمنية ضد عناصر وقيادات في فصائل ترفض التخلي عن سلاحها، فيما أعلنت السلطات اعتقال قيادات ميدانية مرتبطة بفصائل مسلحة.

وهذا يعني أن الحكومة بدأت، ولو بصورة تدريجية، الانتقال من مرحلة إعلان المبدأ إلى مرحلة اختبار القدرة على تطبيقه.

غير أن مشكلة الفصائل مع الزيدي لا تبدو مرتبطة بملف السلاح وحده. فالرجل يتحرك أيضاً باتجاه بناء علاقات إقليمية أكثر انفتاحاً مع دول الخليج وسوريا، وهو مسار يمكن أن تعيد من خلاله بغداد صياغة موقعها الإقليمي بعيداً عن الاصطفافات التقليدية.

بالنسبة إلى الفصائل المرتبطة بإيران، يمثل هذا التوجه مصدر قلق إضافياً، خصوصاً إذا تحول العراق إلى نقطة توازن بين إيران ودول الخليج وسوريا بدلاً من أن يبقى جزءاً من المجال الإقليمي الإيراني.

رسالة الفصائل إلى الزيدي تبدو واضحة: التراجع عن ملف السلاح قد يكون الطريق الأسهل لتجنب المواجهة، لكن رئيس الحكومة لا يبدو مستعداً لذلك.

ومن هنا يمكن فهم حساسية الزيارات والتحركات الخارجية للزيدي، وكذلك مساعيه لتعزيز علاقات بغداد مع محيطها العربي. فالمسألة بالنسبة إلى الفصائل ليست فقط: من يحمل السلاح داخل العراق؟ وإنما أيضاً: أي عراق تريد الحكومة أن تبني بعد الانسحاب الأميركي: عراق أكثر ارتباطاً بمؤسسات الدولة وبالدول العربية، أم عراق يحتفظ بشبكة نفوذ مسلح وسياسي تمنح إيران وحلفاءها مساحة واسعة للتأثير في القرار العراقي؟

وزاد التوتر بفعل موقف الزيدي الرافض للهجمات التي تستهدف دول الجوار، وتمسكه بفتح تحقيقات جدية ومحاسبة المسؤولين عنها.

وهذا الموقف وضع رئيس الحكومة في مواجهة مباشرة مع ثقافة الإفلات من العقاب التي ارتبطت في مراحل سابقة ببعض الجماعات المسلحة، خصوصاً عندما كانت الاعتبارات السياسية والأمنية تحول دون كشف المسؤولين عن عمليات تستهدف شخصيات أو جهات مختلفة.

بالنسبة إلى الزيدي، يبدو أن ترك هذه الهجمات من دون تحقيق جاد يعني استمرار وجود مناطق خارج سلطة الدولة. أما بالنسبة إلى الفصائل، فإن فتح هذا الملف يمكن أن يتحول إلى مدخل لملاحقة عناصرها أو قياداتها، ولذلك يصبح الصراع حول التحقيقات جزءاً من الصراع الأكبر حول احتكار الدولة للقوة.

وهنا تلتقي الملفات الثلاثة: نزع السلاح، ومحاسبة المتورطين في الهجمات، وإعادة تموضع العراق إقليمياً.

لذلك، فإن التهديدات التي يتعرض لها الزيدي تحمل بعداً سياسياً يتجاوز محاولة الضغط عليه شخصياً. فهي رسالة إلى الحكومة بأن الانتقال من الكلام عن الدولة إلى محاولة فرض قواعد جديدة على القوى المسلحة ستكون له تكلفة.

لكن الرسالة تحمل في المقابل دلالة معاكسة: كلما ارتفع سقف التهديد، بدا أن الحكومة أصابت نقطة حساسة في بنية نفوذ الفصائل.

فالزيدي يواجه الآن اختباراً مزدوجاً. عليه أن يثبت أن الدولة قادرة على حماية رئيس حكومتها ومسؤوليها، وفي الوقت نفسه أن تثبت أن قرار حصر السلاح ليس ورقة تفاوضية قابلة للتأجيل مع كل أزمة سياسية.

وتزداد صعوبة المهمة مع اقتراب موعد الانسحاب الأميركي. فالفصائل تريد خروج القوات الأميركية أولاً، بينما ترى الحكومة أن الانسحاب يجب أن يفتح الطريق أمام مرحلة جديدة من السيادة الأمنية، لا أن يترك وراءه واقعاً مسلحاً متعدد مراكز القرار.

وإذا نجح الزيدي في الحفاظ على هذا المسار، فقد يكون العراق أمام تحول حقيقي في علاقة الدولة بالفصائل. أما إذا دفعته التهديدات إلى التراجع، فقد تتأكد لدى القوى المسلحة قناعة قديمة بأن التصعيد كفيل بإجبار الحكومات على التراجع.

لهذا تبدو المواجهة الحالية أكبر من معركة على السلاح. إنها اختبار لما إذا كان العراق يستطيع، للمرة الأولى منذ سنوات، تحويل شعار الدولة صاحبة القرار الأمني إلى ممارسة فعلية، أم أن الفصائل ستنجح مجدداً في جعل كلفة استعادة الدولة أعلى من قدرة الحكومة على تحملها.