من المخا إلى مأرب.. الحوثيون يعيدون إشعال جبهات اليمن
صعّد الحوثيون هجماتهم في اليمن مستهدفين ميناء المخا على الساحل الغربي ومدينة مأرب ومواقع عسكرية في محافظات أخرى، في تصعيد يهدد بإعادة فتح جبهات القتال التي هدأت نسبياً منذ هدنة 2022، ويثير مخاوف من انتقال البلاد مجدداً من مرحلة التهدئة الهشة إلى دورة جديدة من المواجهات المفتوحة.
وجاء التصعيد الأبرز في ميناء المخا، حيث أعلنت إدارة الميناء تعليق العمليات التجارية والبحرية بعد تعرضه لسلسلة من الهجمات الصاروخية، قالت السلطات المحلية إنها تسببت في سقوط قتلى وجرحى وأضرار مادية كبيرة.
وأكدت الحكومة اليمنية أن الحوثيين استهدفوا الميناء بصواريخ باليستية، فيما قدمت الجماعة رواية مختلفة، قائلة إن الضربات استهدفت مواقع عسكرية وتحشيدات وأسلحة وسفناً حربية للقوات المدعومة من السعودية.
ولا تقتصر أهمية المخا على نشاطه التجاري، إذ يقع الميناء بالقرب من مضيق باب المندب، أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم.
ولذلك فإن استهدافه يضيف بعداً استراتيجياً إلى التصعيد، ويجعل أي اضطراب في حركة الملاحة على الساحل الغربي لليمن مصدر قلق يتجاوز حدود الصراع الداخلي.
ويمثل ميناء المخا نقطة مهمة في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية والقوات المتحالفة معها، كما يشكل أحد المنافذ البحرية القريبة من خطوط الملاحة الدولية في البحر الأحمر.
وبالتالي، فإن توقف نشاطه نتيجة الهجمات لا يحمل تداعيات اقتصادية فقط، بل يوجه رسالة إلى شركات النقل والتجارة التي تعمل في منطقة شديدة الحساسية أمنياً.
ورغم أن المخا لا يضاهي في طاقته الاستيعابية موانئ يمنية أخرى مثل عدن والحديدة، فإن موقعه يمنحه قيمة استراتيجية أكبر من حجمه التجاري. فالقرب من باب المندب يجعل أي هجوم عليه مرتبطاً بصورة مباشرة بأمن الملاحة في البحر الأحمر، خصوصاً في ظل استمرار التوترات الإقليمية.
كما أن تعطيل الميناء يضع مزيداً من الضغوط على المناطق الخاضعة للحكومة، التي تعتمد على عدد محدود من المنافذ البحرية والبرية لتأمين احتياجاتها التجارية والاقتصادية.
ويمكن النظر إلى التصعيد في المخا باعتباره محاولة لإرباك أحد المفاصل الاقتصادية واللوجستية للمناطق الحكومية، وفي الوقت نفسه توجيه تحذير بشأن قدرة الحوثيين على الوصول إلى مناطق بعيدة عن مراكز نفوذهم التقليدية.
وفي المقابل، أعاد القصف الحوثي لمدينة مأرب المخاوف من عودة واحدة من أكثر جبهات الحرب اليمنية أهمية.
وأعلنت القوات الحكومية أن الحوثيين أطلقوا صواريخ باليستية باتجاه أحياء في المدينة، في وقت تشهد فيه المحافظة تحركات عسكرية واشتباكات متفرقة بعد سنوات من انخفاض مستوى المواجهات الكبرى.
وتكتسب مأرب حساسية استثنائية بسبب موقعها الجغرافي وثرواتها النفطية والغازية، فضلاً عن كونها مركزاً رئيسياً للقوى المناهضة للحوثيين.
لكن البعد الإنساني يجعل أي تصعيد فيها أكثر خطورة. فالمحافظة تستضيف أكثر من مليوني نازح فروا من مناطق مختلفة خلال سنوات الحرب، وأي توسع للعمليات العسكرية يمكن أن يؤدي إلى موجة نزوح جديدة ويزيد الضغوط على الخدمات والبنية التحتية.
ولهذا فإن مأرب ليست مجرد جبهة عسكرية في الحسابات اليمنية؛ إنها أيضاً نقطة توازن بين الاعتبارات العسكرية والاقتصادية والإنسانية.
وما يثير القلق في التطورات الأخيرة ليس عدد الهجمات وحده، وإنما اتساع نطاقها الجغرافي.
وإلى جانب المخا ومأرب، شهدت جبهات أخرى، بينها الجوف والضالع وتعز، تجدد الاشتباكات والعمليات العسكرية. وهذا التطور يختلف عن نمط التوتر المحدود الذي ساد خلال الفترة التي أعقبت هدنة الأمم المتحدة عام 2022.
صحيح أن الهدنة لم تتحول إلى اتفاق سلام شامل، لكنها نجحت في خفض مستوى العمليات العسكرية الواسعة ومنحت اليمن فترة من الهدوء النسبي. إلا أن غياب التسوية السياسية أبقى أسباب الصراع الأساسية قائمة، من دون اتفاق نهائي بشأن تقاسم السلطة والموارد والترتيبات الأمنية وشكل الدولة.
وبالتالي، فإن خطوط التماس لم تختفِ، بل ظلت مجمدة إلى حد كبير، ما يعني أن عودة التصعيد لا تحتاج بالضرورة إلى قرار بحرب شاملة؛ فقد تبدأ بسلسلة من الضربات المحدودة التي تتوسع تدريجياً مع كل رد عسكري.
ويتزامن التصعيد اليمني مع بيئة إقليمية شديدة التوتر، الأمر الذي يجعل قراءة التطورات الداخلية بمعزل عن المحيط الإقليمي أمراً صعباً.
فالارتباط السياسي والعسكري للحوثيين بإيران يجعل التطورات في اليمن تتأثر بدرجة كبيرة بمستوى التوتر بين طهران وخصومها الإقليميين والدوليين.
ومع تصاعد الحرب الأميركية على إيران، تزداد المخاوف من أن تتحول الساحة اليمنية إلى إحدى أدوات الضغط المتبادل، بحيث لا يعود القتال مرتبطاً فقط بالحسابات المحلية بين الحوثيين والحكومة والقوى المناهضة للجماعة.
وفي هذه الحالة، يمكن أن تتحول الهجمات على المواقع العسكرية والموانئ إلى رسائل إقليمية، خصوصاً عندما تستهدف مناطق قريبة من الممرات البحرية الدولية أو منشآت ترتبط بقوى إقليمية مشاركة في الصراع اليمني.
وهذا ما يجعل المخا ومأرب أكثر أهمية من مجرد كونهما جبهتين عسكريتين؛ فالأولى ترتبط مباشرة بأمن البحر الأحمر، بينما تمثل الثانية مركز الثقل الاقتصادي والعسكري للقوى المناهضة للحوثيين.
ويضيف استهداف المصالح المرتبطة بالقوات المدعومة من السعودية بعداً آخر للتصعيد.
فالسعودية كانت لاعباً رئيسياً في الحرب اليمنية، ولا تزال تمتلك تأثيراً كبيراً في القوى المناهضة للحوثيين.
ولذلك فإن أي عودة واسعة للعمليات العسكرية يمكن أن تعيد الرياض إلى واجهة المشهد الأمني اليمني، حتى في ظل محاولاتها خلال السنوات الماضية دعم مسار التهدئة والتفاوض.
كما أن إعلان الحوثيين سابقاً فرض حظر بحري على السعودية واستهداف مواقع مرتبطة بالقوات المدعومة من الرياض يشير إلى أن الجماعة لا تتعامل مع الصراع باعتباره مواجهة داخلية فقط.
استهداف ميناء المخا يضيف بعداً استراتيجياً إلى التصعيد، ويجعل أي اضطراب في حركة الملاحة على الساحل الغربي لليمن مصدر قلق يتجاوز حدود الصراع الداخلي.
وهذا يرفع احتمال تحول اليمن مجدداً إلى ساحة مواجهة غير مباشرة بين قوى إقليمية، وهو السيناريو الذي حاولت جهود الوساطة خلال السنوات الماضية تجنبه.
والسؤال الأكثر إلحاحاً الآن هو ما إذا كان التصعيد الحالي يمثل موجة مؤقتة أم بداية لانهيار فعلي للتهدئة التي استمرت منذ عام 2022.
ولا يعني تجدد القصف بالضرورة العودة الفورية إلى حرب شاملة، لكن اتساع رقعة الهجمات وتعدد الجبهات يرفعان مخاطر الانزلاق التدريجي.
فالتهدئة اليمنية ظلت منذ البداية هشة، لأنها لم تستند إلى اتفاق سياسي نهائي يعالج أسباب الصراع. وبقاء القضايا الأساسية معلقة جعل أي تغير في موازين القوى أو البيئة الإقليمية قادراً على إعادة إشعال خطوط التماس.
كما أن استمرار الضربات على الموانئ والمدن يزيد احتمالات الرد المقابل، ومع تكرار دورة الضربات والردود قد يصبح من الصعب على الوسطاء إعادة الأطراف إلى مستوى التصعيد المنخفض.
وتكشف التطورات الأخيرة أن اليمن يقف أمام اختبار جديد. فالحوثيون يحاولون توسيع نطاق الضغط العسكري، بينما تواجه الحكومة والقوى المتحالفة معها تحدي حماية المدن والموانئ والمواقع الاستراتيجية من دون الانجرار إلى حرب واسعة قد تستنزف قدراتها.
وسيكون مصير المخا ومأرب مؤشراً مهماً على اتجاه الأحداث خلال المرحلة المقبلة.
وإذا توقفت الهجمات وعادت الأطراف إلى التهدئة، فقد يبقى التصعيد ضمن حدود رسالة عسكرية مؤقتة مرتبطة بالحسابات المحلية والإقليمية. أما إذا استمرت الضربات وتوسعت إلى جبهات جديدة، فقد تبدأ عملية إعادة عسكرة للصراع تنهي عملياً سنوات الهدوء النسبي.
والخطر الأكبر أن يتقاطع المسار اليمني مع التوتر الإقليمي، فتتحول الجبهات المحلية إلى جزء من مواجهة أوسع تتجاوز قدرة الأطراف اليمنية على التحكم في مسارها.
ولا يمثل الانتقال من المخا إلى مأرب مجرد تعدد في الأهداف العسكرية، بل يعكس اتساعاً في مساحة المواجهة نفسها. فالمخا يضع البحر الأحمر وباب المندب في دائرة الخطر، بينما تعيد مأرب الصراع إلى قلب واحدة من أهم ساحاته السياسية والاقتصادية.
وبينما لا تزال العودة إلى حرب شاملة غير محسومة، فإن المؤشرات الحالية تؤكد أن الهدوء الذي عاشه اليمن منذ 2022 لم يكن سلاماً دائماً، بل هدنة قابلة للاهتزاز.
ومن المخا إلى مأرب، يبدو أن الحوثيين يختبرون من جديد حدود هذه التهدئة، فيما يواجه اليمن خطر العودة إلى دورة من التصعيد قد تكون أكثر ارتباطاً هذه المرة بالتوترات الإقليمية من أي وقت مضى.