تصعيد إسرائيلي جديد ينذر بنسف اتفاق الإطار مع لبنان

وكالة أنباء حضرموت

في مشهد دامي يعيد الأجواء الحربية إلى الواجهة رغم اتفاقيات التهدئة، شهدت مناطق جنوب لبنان منذ فجر السبت موجة قصف واعتداءات إسرائيلية واسعة النطاق استهدفت مدينة النبطية وبلدة أنصار ودير الزهراني والقرى المجاورة.

وقد خلفت هذه الهجمات المباغتة خسائر بشرية موجعة وموجة هلع واسعة بين الأهالي الآمنين في منازلهم، مما أسفر في حصيلة رسمية صادرة عن وزارة الصحة اللبنانية عن مقتل تسعة أشخاص، بينهم ثلاثة أطفال وامرأتان، وإصابة أحد عشر آخرين بجروح متفاوتة الخطورة جراء الغارات التي استهدفت منازلهم بشكل مباشر.

وأفادت الوكالة الوطنية للإعلام الرسمية بأن الطيران الحربي الإسرائيلي شن منذ الثالثة فجرا سلسلة غارات مركزة استهدفت مرتفع علي الطاهر عند أطراف النبطية الفوقا -الذي تعرض أيضاً لقصف بقذائف فوسفورية محرمة- إضافة إلى استهداف مباشر لمنزل سكني في بلدة أنصار بقضاء النبطية، في تطور ميداني خطير يعد الأول من نوعه الذي يطال هذا العمق الجغرافي منذ سريان اتفاق وقف إطلاق النار قبل شهرين.

كما امتدت الاعتداءات لتشمل نسف عدد من المنازل في مدينة بنت جبيل وإطلاق نيران الرشاشات الثقيلة على الطرقات الرئيسية، ما يعكس إمعاناً إسرائيليا في تقويض الحياة المدنية في الجنوب.

يأتي هذا التصعيد العسكري الخطير ليضع على المحك "صيغة الإطار" التي تم توقيعها بين لبنان وإسرائيل في السادس والعشرين من يونيو الماضي، والتي نصت على انسحاب إسرائيلي تدريجي واستمرار المسار التفاوضي.

ورغم هذه التفاهمات، واصلت القوات الإسرائيلية عملياتها التي بدأت منذ الثاني من مارس الماضي، والتي أسفرت بحسب البيانات الرسمية عن حصيلة كارثية بلغت 4335 قتيلا و12277 جريحا، فضلا عن نزوح أكثر من مليون شخص، واحتلال القوات الإسرائيلية لمناطق جديدة تجاوزت عمق عشرة كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية.

وتكشف هذه المعطيات عن هشاشة الترتيبات الأمنية المبرمة، وعن استراتيجية إسرائيلية تعتمد على الضغط العسكري المستمر مستغلة الفراغ الإقليمي وغياب الردع الفاعل، الأمر الذي يحول الجنوب اللبناني إلى ساحة مفتوحة لتنفيذ أجندات ميدانية تتجاوز الخطوط الحمراء للسيادة اللبنانية، متجاهلة كافة المواثيق الدولية والقرارات الأممية ذات الصلة.

هذا التصعيد يمثل ترجمة عملية للسياسة الإسرائيلية المتمثلة في اختبار صبر الدولة اللبنانية وفرض وقائع ميدانية جديدة تحت غطاء الذرائع الأمنية

في المقابل، أعلن الجيش الإسرائيلي في بيان رسمي أنه استهدف البنية التحتية لحزب الله في منطقتي علي طاهر وأنصار، زاعما أن هذه الغارات جاءت ردا على هجوم استهدف الجنود الإسرائيليين في المنطقتين.

وأضاف الجيش الإسرائيلي في بيانه أنه لن يسمح لحزب الله بالإضرار بالمدنيين أو الجنود الإسرائيليين، مؤكدا أنه "سيواصل العمل لإزالة التهديدات".

في رد فعل رسمي فوري، خرج رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام بموقف حاسم عبر منصة "إكس"، أكد فيه أن التصعيد الإسرائيلي الأخير في النبطية وبلدة أنصار ودير الزهراني والقرى المجاورة "بالغ الخطورة ويقوض مساعي تثبيت الاستقرار في الجنوب"، مشيرا إلى أن الهجمات تزامنت مع "قصف كثيف وترهيب للأهالي في منازلهم".

ولفت سلام الانتباه إلى الفاجعة الإنسانية التي خلفتها غارة أنصار التي أودت بحياة سبعة أشخاص، قائلا "شهداء الغارة الإسرائيلية على بلدة أنصار السبعة ليسوا بنية تحتية عسكرية، والأطفال والنساء الذين قتلوا فيها ليسوا أهدافا عسكرية".

وفي تأكيد قاطع على سيادة الدولة، شدد رئيس الوزراء على أن مسؤولية التعامل مع أي بنى عسكرية، في حال وجودها على الأراضي اللبنانية، تقع حصرا على عاتق الدولة من خلال الجيش والمؤسسات الرسمية، مضيفا أن وجود مثل هذه البنى "لا يمنح إسرائيل حق استباحة الأراضي اللبنانية أو تعريض المدنيين للخطر".

واختتم بيانه بمطالبة المجتمع الدولي وإسرائيل بوقف فوري للتصعيد، مؤكدا أن "أمن أهلنا وحقهم في الحياة على أرضهم ليسا موضع تفاوض أو مساومة".

يمثل هذا التصعيد ترجمة عملية للسياسة الإسرائيلية المتمثلة في اختبار صبر الدولة اللبنانية وفرض وقائع ميدانية جديدة تحت غطاء الذرائع الأمنية، حيث أن استهداف العمق السكاني في أنصار والنبطية وسقوط أطفال ونساء ضحايا، يؤكد أن بنك الأهداف الإسرائيلي لم يقتصر يوما على البنى العسكرية لحزب الله بل يتعداه إلى كسر معنويات الحاضنة الشعبية وتعميق الأزمة الإنسانية في لبنان.

كما أن هذا الهجوم يضع المؤسسات الرسمية اللبنانية أمام اختبار مصيري، فهي من جهة تتمسك بحقها الحصري في إدارة الشأن الأمني والدفاع عن السيادة، ومن جهة أخرى تواجه تعنتا إسرائيليا سافرا يتجاهل كل الاتفاقيات المبرمة.

وفي ظل هذا المشهد المأزوم، تظل المنطقة مقترنة باحتمالات مفتوحة على كافة السيناريوهات، ما لم يتحرك المجتمع الدولي للضغط الحقيقي نحو التزام تل أبيب بوقف عملياتها وانسحابها الكامل من الأراضي المحتلة.