انتشار الجريمة يشعل غضب السودانيين

وكالة أنباء حضرموت

 لم تعد الحرب في السودان تقتصر على خطوط المواجهة بين الجيش وقوات الدعم السريع، بل بدأت تداعياتها تتسع لتطال الحياة اليومية للمواطنين، مع تصاعد لافت في معدلات الجريمة والانفلات الأمني بعدد من الولايات، الأمر الذي أثار موجة غضب واسعة ومخاوف من تحول الفوضى الأمنية إلى أزمة جديدة تضاف إلى معاناة السودانيين.

وكانت حادثة مقتل الطبيب فارس محمد نور داخل عيادته في مركز "آدم عباس" الطبي بمنطقة الثورة غربي أم درمان، أحدث الوقائع التي فجرت حالة من الاستياء الشعبي، بعدما تعرض الطبيب لاعتداء قاتل بآلة حادة داخل مقر عمله، في حادثة أعادت تسليط الضوء على تراجع مستوى الأمن وحجم المخاطر التي تواجه المدنيين حتى داخل المنشآت الخدمية.

وأعلنت شرطة ولاية الخرطوم أن الطبيب فارق الحياة إثر إصابته بضربة في العنق بواسطة آلة حادة، موضحة أنها تلقت بلاغاً من نجل المشتبه به، وتمكنت من توقيف المتهم الذي يعمل خفيراً في المستوصف ذاته ويبلغ من العمر 50 عاماً.

كما أكدت ضبط الأداة المستخدمة في الجريمة وفتح بلاغ جنائي لمواصلة التحقيقات حول ملابسات الحادث.

وأثارت الجريمة حالة من الحزن والغضب في الأوساط الطبية وبين سكان أم درمان، وسط مطالبات بضرورة تعزيز حماية المستشفيات والمراكز الصحية وتأمين العاملين في القطاع الطبي، في ظل تزايد الاعتداءات والتهديدات الأمنية التي باتت تواجه مختلف فئات المجتمع السوداني.

وتأتي هذه الحادثة ضمن موجة أوسع من الجرائم التي شهدتها مناطق مختلفة في السودان منذ اندلاع الحرب في أبريل/نيسان 2023، حيث تصاعدت حوادث القتل والسرقة والنهب والاحتيال، إضافة إلى جرائم مرتبطة بانتشار الأسلحة والمخدرات وشبكات الجريمة المنظمة.

ويرى مراقبون أن الحرب خلقت بيئة أمنية معقدة ساهمت في تفاقم معدلات الجريمة، إذ أدى انتشار السلاح بين المدنيين، وتراجع قدرة مؤسسات الدولة على فرض القانون، ونزوح ملايين السكان، إلى زيادة الضغوط على الأجهزة الأمنية والعدلية التي تواجه تحديات كبيرة في ضبط الأوضاع.

غياب الحل السياسي واستمرار المواجهات سيواصلان تغذية الظروف التي تسمح بانتشار الفوضى والجريمة، ما يجعل الملف الأمني أحد أكبر التحديات التي تواجه السودان في المرحلة المقبلة.

كما أسهمت الظروف الاقتصادية الصعبة، وارتفاع معدلات البطالة والفقر، في زيادة هشاشة المجتمع أمام الأنشطة الإجرامية، في وقت تعاني فيه العديد من المناطق من ضعف الخدمات الأساسية وتراجع حضور مؤسسات الدولة نتيجة استمرار القتال والانقسام السياسي.

ولا تقتصر تداعيات الانفلات الأمني على المدن السكنية، بل امتدت إلى المؤسسات التعليمية، حيث أعلنت الإدارة العامة لتأمين الجامعات إعداد خطط أمنية متكاملة لتأمين المنشآت الأكاديمية في مختلف الولايات بالتزامن مع الاستعدادات لاستئناف الدراسة.

وأكدت الإدارة جاهزية قواتها لتأمين الجامعات الحكومية والأهلية، مشيرة إلى وجود تنسيق مع وزارة التعليم العالي وصندوق دعم الطلاب بهدف توفير بيئة آمنة للطلاب وأعضاء هيئة التدريس، في ظل المخاوف من انتقال مظاهر الفوضى الأمنية إلى المؤسسات التعليمية.

ويحذر خبراء أمنيون من أن استمرار الحرب قد يؤدي إلى ترسيخ أنماط جديدة من الجريمة في السودان، خصوصاً مع توسع شبكات التهريب والجريمة المنظمة واستغلال بعض الجماعات المسلحة حالة الاضطراب لتحقيق مكاسب مالية أو فرض نفوذ محلي.

ويشير هؤلاء إلى أن معالجة الأزمة الأمنية لا تتطلب فقط تكثيف الحملات الأمنية، بل تحتاج إلى إعادة بناء مؤسسات الشرطة والقضاء، وضبط انتشار السلاح، وتعزيز قدرة الدولة على فرض سيادة القانون في مختلف المناطق.

وتزداد صعوبة المشهد الأمني في ظل استمرار الانقسام السياسي والعسكري في البلاد، مع وجود سلطتين تديران مناطق مختلفة من السودان، بينما تتواصل الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع التي خلفت عشرات الآلاف من القتلى وتسببت في نزوح نحو 13 مليون شخص، فضلاً عن تفاقم الأزمة الإنسانية التي دفعت ملايين السودانيين إلى الحاجة للمساعدات.

وفي ظل هذه الظروف، بات المواطن السوداني يواجه تهديدات متعددة لا تقتصر على القصف والمعارك، بل تشمل مخاطر الجريمة اليومية التي أصبحت مصدر قلق متزايد للأسر والمجتمعات المحلية. فمقتل طبيب داخل عيادته لم يكن مجرد حادث جنائي عابر، بل تحول إلى رمز لمخاوف أوسع بشأن مستقبل الأمن في بلد أنهكته الحرب.

وبينما تتواصل الجهود الأمنية للحد من الجريمة، يبقى تحقيق الاستقرار مرتبطاً بإنهاء الصراع وإعادة بناء مؤسسات الدولة، إذ يرى مراقبون أن غياب الحل السياسي واستمرار المواجهات سيواصلان تغذية الظروف التي تسمح بانتشار الفوضى والجريمة، ما يجعل الملف الأمني أحد أكبر التحديات التي تواجه السودان في المرحلة المقبلة.