مصر والسكان.. هل تواكب التنمية سرعة النمو؟
تعود القضية السكانية في مصر إلى صدارة المشهد، في اليوم العالمي للسكان، باعتبارها أحد أكبر الملفات ارتباطاً بخطط التنمية والدعم والتوظيف وجودة الحياة.
وبحسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، بلغ عدد سكان مصر 108.6 مليون نسمة في بداية عام 2026، لتحتل مصر المرتبة الـ13 عالميًا، والـ3 أفريقيًا، والأولى عربيًا من حيث عدد السكان، في حين تشير الساعة السكانية إلى تجاوز عدد السكان بالداخل حاجز 109 ملايين نسمة خلال العام نفسه.
ويأتي ذلك رغم التحسن الواضح في مؤشرات الإنجاب، إذ تراجع معدل الإنجاب الكلي إلى 2.33 طفل لكل سيدة وفق نتائج المسح الصحي للأسرة المصرية 2025، مقارنة بنحو 2.85 طفل لكل سيدة في 2021، ما يعكس تقدمًا في جهود ضبط النمو السكاني، لكنه لا يلغي استمرار الضغط الناتج عن قاعدة سكانية ضخمة بحسب خبراء تحدثت إليهم "العين الإخبارية".
تكشف بيانات الإحصاء عن أن عدد سكان مصر ارتفع من 94.8 مليون نسمة عام 2017 إلى 108.6 مليون نسمة في بداية 2026، بزيادة بلغت 13.8 مليون نسمة خلال أقل من عقد.
ويمثل الذكور 51.4% من السكان مقابل 48.6% للإناث، في حين تبلغ نسبة سكان الريف 57.3% مقابل 42.7% للحضر، وهو ما يضع ضغوطًا إضافية على الخدمات في القرى والمراكز، خاصة في التعليم والصحة وفرص العمل والبنية الأساسية التي توليها الدولة اهتماماً كبيراً بحسب الخبراء.
وتتصدر القاهرة قائمة المحافظات الأكثر سكانًا بنحو 10.5 مليون نسمة، تليها الجيزة بنحو 9.8 مليون نسمة، في حين ارتفعت الكثافة السكانية من 92.4 نسمة لكل كيلومتر مربع عام 2017 إلى 108.1 نسمة لكل كيلومتر مربع في 2026.
ويزيد من أهمية الملف أن الفئة العمرية الأقل من 15 عامًا تمثل نحو 30.6% من إجمالي السكان، مقابل 6.1% فقط لمن تبلغ أعمارهم 65 عامًا فأكثر، ما يعني أن مصر أمام كتلة شبابية كبيرة تحتاج إلى تعليم جيد، وتدريب، وفرص عمل مستدامة.
التنمية تحت اختبار الأرقام
ترى أستاذة علم الاجتماع الدكتورة سامية خضر أن الدولة حققت تقدماً مهماً في خفض معدلات الإنجاب، إلا أن الزيادة السكانية ما زالت تضغط على خطط التنمية، لأن المشكلة لا ترتبط بعدد السكان وحده، بل بسرعة الزيادة مقارنة بمعدلات النمو الاقتصادي.
وتوضح لـ"العين الإخبارية" أن كل مليون نسمة جديد يعني احتياجات إضافية من المدارس، والفصول، والمستشفيات، والوحدات السكنية، وفرص العمل، وشبكات المياه والصرف والكهرباء، وهو ما يرفع تكلفة التنمية على الدولة.
وتشير خضر إلى أن بعض محافظات الصعيد لا تزال تسجل معدلات مواليد مرتفعة بفعل عوامل اجتماعية وثقافية، من بينها استمرار بعض الأفكار المرتبطة بكثرة الإنجاب واعتبار الأبناء "عزوة"، مؤكدة أن المواجهة لا تكون بالخطاب الاقتصادي وحده، بل عبر التعليم وتمكين المرأة وتغيير الثقافة الأسرية.
الدعم بين الاستحقاق واتساع القاعدة
لا تنفصل الزيادة السكانية عن ملف الدعم، إذ كلما اتسعت القاعدة السكانية، زادت الضغوط على برامج الحماية الاجتماعية والسلع التموينية والخدمات المدعومة، بحسب الخبير الاقتصادي، عبدالنبي عبدالمطلب.
يقول عبدالمطلب إن الحكومة تواجه معادلة صعبة بين حماية الفئات الأكثر احتياجاً من جهة، وضبط كفاءة الإنفاق العام من جهة أخرى، خاصة في ظل ارتفاع تكلفة الغذاء والطاقة والخدمات الأساسية.
وتابع أن تنقية قواعد بيانات الدعم وتوجيهه للفئات الأولى بالرعاية أكثر حساسية في الوقت الحالي، لأن النمو السكاني السريع قد يلتهم أثر أي زيادة في المخصصات، إذا لم يقابله تحسن في مستويات الدخل وفرص العمل والإنتاجية.
ويرى أن السكان يمكن أن يمثلوا موردًا اقتصاديًا مهمًا وسوقًا كبيرة قادرة على تحريك الطلب والإنتاج، شرط أن تدار الموارد بكفاءة، وأن تتحول الزيادة السكانية إلى قوة إنتاج لا مجرد كتلة استهلاك.
من جانبه أوضح رئيس لجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب، الدكتور فخري الفقي، أن الزيادة السكانية تلتهم جهود التنمية التي تنفذها الدولة، رغم حجم المشروعات الكبرى، بما يجعل أثر النمو أقل وضوحًا على مستوى معيشة الأفراد.
وربط أستاذ التمويل والاستثمار، الدكتور مصطفى بدرة، بين مواجهة الضغط السكاني وضرورة تسريع قرارات زيادة الاستثمار، خاصة من جانب القطاع الخاص، وإعادة تشغيل المصانع والشركات المغلقة، باعتبار أن خلق فرص العمل هو المدخل الأهم لاستيعاب الداخلين الجدد إلى سوق العمل.
التوظيف.. فرصة أم عبء؟
وفق بيانات بحث القوى العاملة لعام 2025، بلغ حجم قوة العمل من السكان في سن 15 عامًا فأكثر نحو 34.2 مليون نسمة، في حين سجل معدل البطالة 6.3%، وارتفع بين الإناث إلى 15.3% مقابل 3.7% بين الذكور.
ويقول أستاذ علم الاجتماع، الدكتور سعيد صادق، إن الزيادة السكانية يمكن أن تتحول إلى قوة إنتاجية إذا جرى الاستثمار في التعليم الفني والتدريب والتأهيل وربط الخريجين بسوق العمل، لكنها تتحول إلى عبء إذا خرج الشباب من التعليم إلى بطالة أو عمل منخفض الإنتاجية.
ويضيف أن التحدي الحقيقي ليس فقط في خفض الإنجاب، بل في رفع جودة الإنسان، لأن الدولة التي تمتلك كتلة شبابية كبيرة يمكنها تحقيق طفرة اقتصادية إذا نجحت في تحويل الشباب إلى قوة عاملة ماهرة.
خطة عاجلة للسكان والتنمية
تنفذ الدولة خطة عاجلة للسكان والتنمية تستهدف تسريع تحقيق مستهدفات الاستراتيجية الوطنية للسكان والتنمية بحلول 2027 بدلًا من 2030، عبر برنامج يمتد لـ1000 يوم ويركز على 73 منطقة حمراء تمثل نحو 27% من إجمالي سكان الجمهورية.
وتعتمد الخطة على تحسين مؤشرات الصحة والتعليم والحماية وتنظيم الأسرة، مع متابعة دورية كل 100 يوم، بهدف نقل المناطق الأكثر احتياجًا من المؤشرات الحمراء إلى الصفراء ثم الخضراء.