نفط مأرب في قبضة الإخوان.. غموض التوزيع واتساع دائرة التهريب
يظل ملف توزيع النفط والمشتقات النفطية المنتجة في محافظة مأرب، والتي تدار من قبل نفوذ حزب الإصلاح (إخوان اليمن) من أكثر الملفات إثارة للشبهات والتساؤلات في ظل محدودية البيانات الرسمية المحلية المنشورة بشأن آليات التوزيع، والكميات التي تصل إلى المحافظات، والجهات المستفيدة منها، رغم أن شركة "صافر" تعد المصدر الرئيسي لتوفير جزء كبير من احتياجات السوق المحلية.
تؤكد بيانات وزارة النفط اليمنية أن شركة "صافر" تنتج نحو 30 مليون لتر شهرياً من البترول المحسن، إضافة إلى 54 إلى 60 مقطورة من الغاز المنزلي يومياً، وهي كميات تقول الحكومة إنها مخصصة للسوق المحلية وتباع بأسعار مدعومة، في الوقت الذي يتم فيه صرف ما يزيد على - مليون لتر من البترول والديزل - من شركة "صافر" لصالح القوات العسكرية التابعة لحزب الإصلاح في محافظة مأرب، وهي كميات تصرف خارج البيانات الرسمية وبمسميات مختلفة تتستر على حجم الإهدار للثروة السيادية لصالح جماعة الإخوان في اليمن، فيما تعاني المحافظات المحررة من أزمات وقود متكررة وارتفاع في الأسعار، الأمر الذي يضاعف من معاناة المواطنين ويزيد من الشكوك حول آليات إدارة الموارد الوطنية، علاوة على التستر على صفقات فساد وإهدار الملايين من براميل النفط في الحقول التي تشرف عليها شركة "صافر" بمحافظة مأرب، والتي كلفت الخزينة العامة للدولة مئات الملايين من الدولارات.
ورغم هذه الأرقام لا تزال آليات توزيع المشتقات النفطية في محافظة مأرب تفتقر إلى الشفافية الكافية، إذ لا تنشر بصورة دورية بيانات تفصيلية توضح حجم المخصصات لكل محافظة، والكميات التي يتم ضخها يومياً، ونسب الاستهلاك والفاقد، بما يسمح للرأي العام بمتابعة حركة هذه الموارد الوطنية التي تذهب إلى جهات خارج البلاد.
وتزداد التساؤلات مع تكرار الإعلان عن ضبط شحنات مشتقات نفطية خارج المسارات الرسمية، يتم تهريبها من محافظة مأرب إلى خارج اليمن، وهو ما يسلط الضوء على الحاجة إلى رقابة أكثر فاعلية، وإفصاح دوري عن حركة الإنتاج والتوزيع، بما يسهم في الحد من السوق السوداء وحماية المال العام.
تفيد وقائع الضبط الأخيرة بقيام عناصر حزب الإصلاح بتهريب مشتقات نفطية وغاز منتجة من شركة "صافر" إلى جمهورية الصومال، حيث تتم عمليات التهريب عبر أحد التجار في مديرية "حريب" بمحافظة مأرب، ويدعى "دومان"، وبالتنسيق مع المدير التنفيذي لشركة الغاز في مأرب "حمد بن وهيط"، الذي تدور حوله شبهات كثيرة، مقابل حصوله على نسبة من الأرباح.
وتؤكد المعلومات ذاتها أيضاً أن عملية التهريب تتم بواسطة قاطرات تسلك خط السير من محافظة مأرب إلى ميناء "الشحر" بمحافظة حضرموت، ومن ثم نقلها إلى الصومال.
حيث يتواصل الجدل منذ سنوات حول ملف تهريب المشتقات النفطية من محافظة مأرب، بالتزامن مع استمرار الإعلان عن ضبط شحنات كثيرة كانت في طريقها إلى أسواق محلية غير مشروعة، وأسواق أخرى خارجية، الأمر الذي يفتح الباب أمام تساؤلات بشأن حجم الظاهرة، وخطورتها، والجهات المستفيدة منها.
تتمحور عمليات تهريب النفط والمشتقات النفطية في محافظة مأرب عبر شبكات معقدة تسلك طرقاً صحراوية نائية، حيث رصدت الاستخبارات العسكرية لأكثر من مرة في السابق، اعتماد المهربين على خطوط سير صحراوية بمنأى تماماً عن النقاط الأمنية الرسمية لتفادي التفتيش ضمن المناطق الحدودية بين مأرب والجوف، وكذلك بين مأرب والبيضاء، والتي كانت تعد من الممرات التقليدية لتهريب الديزل والبترول المكرر في مصفاة مأرب نحو مناطق سيطرة الحوثيين لتحقيق أرباح مضاعفة، قبل أن تسلك عملية التهريب لاحقاً عبر ميناء "الشحر" بحضرموت إلى الصومال، وغيرها.
وما زالت أحداث أواخر عام 2023م مختزلة في الذاكرة، عندما شهدت مديرية الوادي بمحافظة حضرموت اشتباكات ساخنة بين القوات الحكومية ومسلحين يحرسون ناقلات نفط مهربة من منشأة "صافر" وذلك بهدف الحد من تسريب النفط وتهريبه إلى خارج اليمن، وهي الواقعة التي تجاهلت فيها السلطات المحلية فتح تحقيق بشأن عمليات التهريب التي تمارسها مناطق نفوذ الإخوان في محافظة مأرب.
وفي أحدث الوقائع المعلنة تم الإعلان في 27 يونيو 2026 عن إحباط محاولة تهريب ثلاث مقطورات محملة بالمشتقات النفطية في صحراء "غويربان"، بعد اشتباكات مع مجموعة مسلحة حاولت فرض مرور الشحنة المهربة عبر طرق صحراوية بعيداً عن المسارات الرسمية.
وتأتي هذه الحادثة بالتزامن مع استمرار تداول معلومات أمنية وإعلامية تتحدث عن وجود مسارات جديدة تتبعها جماعة حزب الإصلاح لتهريب المشتقات النفطية من محافظة مأرب عبر موانئ حضرموت باتجاه القرن الإفريقي (الصومال)، إضافة إلى تداول أرقام بشأن كميات كبيرة من الوقود التي يتم صرفها لجماعة الإخوان خارج السندات الحكومية.
يرى مراقبون أن تكرار ضبط شحنات المشتقات النفطية المهربة من محافظة مأرب، يعكس الحاجة إلى تشديد الرقابة على حركة الوقود، وتعزيز إجراءات الملاحقة القانونية، وإجراء تحقيقات شفافة تكشف للرأي العام حجم شبكات التهريب، ومصادر حصول جماعة إخوان اليمن على المشتقات النفطية، والمسارات التي تستخدمها، بما يسهم في حماية الموارد الوطنية والحد من استنزافها وتهريبها.
إن إدارة قطاع النفط لا تقاس بحجم الإنتاج فقط، بل بمدى وضوح المعلومات المتعلقة بتوزيعه ووصوله إلى المواطنين، ونشر بيانات دورية ومفصلة عن إنتاج منشأة "صافر"، وخطط التوزيع، والكميات المخصصة لكل محافظة، وذلك للإجابة عن السؤال الذي لا يزال مطروحاً: أين تذهب كل الكميات المنتجة من نفط مأرب؟.
وفي وقت يعاني فيه اليمنيون من أزمات الوقود وتدهور الخدمات، يتزايد الحديث عن استمرار عمليات تهريب المشتقات النفطية من محافظة مأرب إلى خارج البلاد، وسط غياب أي توضيحات رسمية تكشف حقيقة ما يجري، ولا سيما أن استمرار الصمت الرسمي تجاه هذه المعلومات لا يخدم الثقة بالمؤسسات، بل يعزز المطالب بفتح تحقيق مستقل وشفاف، وإعلان نتائجه للرأي العام، ومحاسبة أي جهة يثبت تورطها في العبث بالثروة الوطنية أو استغلالها خارج الأطر القانونية، بدلاً من التستر والمشاركة في تهريبها من قبل أشخاص مسؤوليين محسوبين على شركتي النفط والغاز اليمنية.