اليمن على حافة الانفجار..
كيف قادت سياسات الرياض إلى إضعاف جبهة مواجهة الحوثي والإرهاب؟
لم يعد ما يجري في المناطق المحررة مجرد إعادة ترتيبات عسكرية أو إجراءات تنظيمية كما يحاول البعض تصويره، بل بات يمثل تحولاً خطيراً في مسار الصراع اليمني، خصوصاً مع النتائج التي أفرزتها عمليات تفكيك وإعادة هيكلة القوى العسكرية التي تشكلت خلال سنوات الحرب لمواجهة جماعة الحوثي والتنظيمات الإرهابية.
فقد أسهم تفكيك قوات الساحل الغربي في إضعاف قدرتها العسكرية وجعلها في حالة من الجمود أمام مواجهة الحوثيين، رغم أنها كانت إحدى أبرز القوى التي خاضت معارك مباشرة ضد الجماعة على امتداد جبهات الساحل الغربي.
وسبق ذلك تفكيك وإضعاف القوات الجنوبية التي مثلت لسنوات طويلة خط الدفاع الأول في مواجهة التنظيمات الإرهابية، وفي مقدمتها تنظيما "القاعدة وداعش"، وتمكنت بدعم من دولة الإمارات العربية المتحدة من تحرير مناطق واسعة من الجنوب وإرساء حالة من الاستقرار الأمني لم تكن موجودة من قبل.
واليوم تبدو هذه القوات أكثر انكشافاً من أي وقت مضى، في وقت تتوسع فيه الجماعات والتنظيمات الإرهابية مجدداً في عدد من المناطق الجنوبية التي سبق أن تم تطهيرها من الإرهاب، وهو ما يثير تساؤلات مشروعة حول جدوى سياسات – الرياض - التي استهدفت هذه التشكيلات العسكرية بدلاً من تعزيزها وتطوير قدراتها.
إن ما تقوم به السعودية في إطار المناطق المحررة من عمليات تفكيك وإعادة هيكلة للقوات الجنوبية وقوات الساحل الغربي يبدو أقرب إلى حالة من العبث السياسي والعسكري غير المستوعب لطبيعة التحولات المتسارعة التي تشهدها اليمن والمنطقة.
فبدلاً من تعزيز القوى التي تقاتل الحوثيين والتنظيمات الإرهابية، جرى الدفع نحو إضعافها وإفراغها من عناصر قوتها، في وقت لا تزال فيه التهديدات الأمنية والعسكرية قائمة بل وتتزايد.
ويطرح هذا الواقع سؤالاً جوهرياً حول ما إذا كانت هذه السياسات تصب بصورة مباشرة أو غير مباشرة في خدمة جماعة الحوثي، عبر تفكيك القوى العسكرية التي أنشئت أساساً لمواجهتها ومواجهة الإرهاب، خصوصاً في ظل التفاهمات القائمة بين الرياض وصنعاء، والتي انعكست عملياً في حالة تجميد للقوات المناوئة للحوثيين على خطوط التماس والجبهات الساخنة.
بالتزامن مع عودة حزب الإصلاح، الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين في اليمن، إلى الواجهة بقوة خلال الأشهر الأخيرة مستفيداً من الدعم والرعاية السياسية السعودية التي يحظى بها، حيث يلاحظ تصاعد خطاب التحريض والاستهداف ضد عدد من القيادات العسكرية الجنوبية وقيادات المقاومة الوطنية، في مشهد يعيد إلى الأذهان مرحلة التسعينيات وما رافقها من حملات تكفير وتحريض وقتل استهدفت قيادات الحزب الاشتراكي اليمني بين عامي 1991 و1994، تحت شعارات دينية استخدمت آنذاك لتبرير الإقصاء والتصفية السياسية.
إن فشل السعودية في إدارة الملف السياسي والأمني اليمني مؤخراً، والسماح لبعض الشخصيات الدينية المتطرفة، المرتبطة بمعسكرات وتيارات متشددة، بالوصول إلى مواقع مؤثرة داخل المؤسسة العسكرية، مع فتح قنوات تفاهم مع الحوثيين وتجميد القوى المناهضة لهم، يجعل الرياض شريكاً أساسياً في تحمل مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع الأمنية والعسكرية في اليمن.
تزداد خطورة هذا المسار في ظل حالة الضعف التي تعاني منها الحكومة اليمنية، التي باتت عاجزة عن اتخاذ قرارات مستقلة خارج إطار التوجهات السعودية، فيما يبدو مجلس القيادة الرئاسي مقيداً إلى حد كبير بالتوافقات والإرادات الخارجية، الأمر الذي أفقد مؤسسات الدولة قدرتها على المبادرة والتعامل مع التحديات المتفاقمة.
إن اليمن يسير اليوم نحو مرحلة أكثر تعقيداً وخطورة مع عودة التنظيمات المتطرفة إلى النشاط مجدداً، وتصاعد الاعتداءات الحوثية على مواقع المقاومة اليمنية والقوات الجنوبية، واستمرار محاولات توظيف الدين في الصراع السياسي من قبل بعض القوى الحزبية التي تسعى للوصول إلى السلطة تحت شعارات دينية تجاوزها الواقع اليمني منذ سنوات.
وفي ظل هذا المشهد، تبدو البلاد وكأنها تتجه نحو بركان أمني وإرهابي جديد قد لا تقتصر تداعياته على اليمن وحدها، بل قد تمتد إلى الإقليم بأكمله، خصوصاً مع استمرار حالة الصمت الدولي تجاه سياسات السعودية التي أسهمت في إضعاف القوى المناهضة للحوثيين والإرهاب، داخل بلد يحتل موقعاً استراتيجياً بالغ الأهمية على خارطة الأمن الإقليمي والدولي.
إن استمرار إدارة الملف اليمني بالعقلية الانتقامية ذاتها، القائمة على تفكيك القوى الفاعلة وإعادة إنتاج الأزمات بدلاً من معالجتها، لن يقود إلا إلى مزيد من الفوضى والانهيار، وسيمنح الحوثيين والتنظيمات المتطرفة مساحة أوسع لإعادة ترتيب صفوفهم واستعادة نفوذهم، في وقت يحتاج فيه اليمن إلى مشروع حقيقي يعيد بناء مؤسساته الوطنية ويعزز القوى التي أثبتت قدرتها على مواجهة الإرهاب وحماية الأرض والهوية الوطنية.