"يوروساتوري" بلا سلاح إسرائيلي: رسائل باريس المشفرة لتل أبيب
قررت الحكومة الفرنسية رسميا حظر مشاركة شركات الأسلحة الإسرائيلية وعرض معداتها الهجومية في معرض "يوروساتوري" الدولي للدفاع والأمن البري، والذي يعد أحد أضخم وأبرز المعارض العسكرية على مستوى العالم.
ويأتي القرار الفرنسي في خضم تصعيد إسرائيلي خطير في لبنان، كانت باريس أدانته بشدة ودعت إلى عقد اجتماع طارئ لمجلس الأمن الدولي بخصوصه. وقال رئيس شركة "كوجس إفنتس" شارل بودوان، إنّه بناء على قرار الحكومة الفرنسية "يُسمح فقط للعارضين الإسرائيليين الذين سيعرضون أنظمة دفاع مضادة للصواريخ البالستية ومضادة للطائرات".
وأضاف بودوان "إنه خيار اتخذته الحكومة الفرنسية، ومجلس الدفاع. وأعتقد شخصيا أن ميزته في وضوحه". وأشار إلى أنّ "لا مجال للغموض: إذا كان العارض أيضا مصنّعا للصواريخ، فلن يتمكن من عرضها. وهذا يمنع عرض أي أسلحة هجومية".
ويقول مراقبون إن الحظر يهدف إلى إيصال رسالة إلى إسرائيل تتجاوز الإدانات الشفهية والتحذيرات السياسية في تجاوزاتها في لبنان وغزة والضفة الغربية.
وترى الدوائر الدبلوماسية الفرنسية أن استضافة الشركات الإسرائيلية في هذا المحفل الدولي البارز في ظل الظروف الراهنة كان سيمثل رسالة متناقضة مع الجهود التي تبذلها فرنسا والوسطاء الدوليون لفرض مسارات التهدئة ووقف إطلاق النار، ولذلك جاء الحظر ليعيد رسم حدود العلاقة الفرنسية-الإسرائيلية في شقها العسكري، واضعاً قيوداً صارمة تمنع تل أبيب من استغلال المنصات الأوروبية لتسويق أسلحتها التي جُربت في الميدان.
وأحدث القرار الفرنسي صدمة وإرباكا واسعا داخل الأوساط السياسية والعسكرية في تل أبيب، حيث اعتبرته الحكومة الإسرائيلية بمثابة "خضوع للضغوط ومقاطعة سياسية غير مبررة" تضر بالعلاقات الثنائية بين البلدين، وتضعف جبهة تنسيق المواقف الأمنية المشتركة، غير أن القراءة المتعمقة للأبعاد الاقتصادية تشير إلى أن الضرر الحقيقي يتجاوز الجانب الدبلوماسي ليصل إلى عمق قطاع التصنيع العسكري الإسرائيلي :
ويمثل معرض "يوروساتوري" النافذة التسويقية الأكبر للشركات الإسرائيلية لإبرام عقود مليارية مع جيوش أوروبية وعالمية، وإغلاق هذه النافذة بقرار سيادي فرنسي يشكل سابقة خطيرة قد تغري عواصم أوروبية أخرى باتخاذ خطوات مماثلة، مما يهدد بفرض عزلة تدريجية على قطاع الدفاع الإسرائيلي في وقت هو أحوج ما يكون فيه إلى الدعم وتأمين خطوط الائتمان والتصدير الشامل.
ويشير هذا التطور إلى أن تداعيات الصراع الميداني في الشرق الأوسط قد بدأت تتمدد بالفعل إلى أروقة ومحافل التجارة العسكرية الدولية، وأن لغة المصالح الإستراتيجية لم تعد كافية لتبرير الشراكات الأمنية التقليدية في ظل الواقع الإنساني والسياسي المعقد.
ويبدو أن باريس، بقرارها حظر السلاح الإسرائيلي، أرادت توجيه رسالة حاسمة ومباشرة إلى حكومة تل أبيب والإدارة الأميركية بأن هناك أثماناً سياسية واقتصادية باهظة ستترتب على استمرار العمليات الهجومية في لبنان، وهو ما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من إعادة تقييم العلاقات العسكرية بين أوروبا وإسرائيل، ويترك الميدان الدبلوماسي مفتوحاً على احتمالات التصعيد المتبادل والمقاطعة المتدرجة لشهور طويلة قادمة.