هل تنجح الآلية الأميركية في جنوب لبنان حيث فشلت اليونيفيل؟

وكالة أنباء حضرموت

مع اقتراب انتهاء ولاية قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان “اليونيفيل” نهاية عام 2026، تتجه الأنظار إلى مستقبل الترتيبات الأمنية على الحدود اللبنانية-الإسرائيلية، وسط تصاعد الحديث عن “الآلية” التي تقودها الولايات المتحدة كبديل عملي للقوة الدولية التي أمضت عقوداً في جنوب لبنان من دون أن تتمكن من تحقيق هدفها الأساسي المتمثل في منع عسكرة المنطقة وترسيخ احتكار الدولة اللبنانية للسلاح.

ويأتي هذا التحول في لحظة شديدة الحساسية، إذ لا تزال المواجهات بين إسرائيل وحزب الله مستمرة رغم التفاهمات المؤقتة، فيما دخلت بيروت وتل أبيب في مسار دبلوماسي غير مسبوق برعاية أميركية.

وبينما تستعد الأمم المتحدة لطي صفحة واحدة من أطول بعثات حفظ السلام في الشرق الأوسط، يبرز سؤال أساسي حول ما إذا كانت الآلية الأميركية قادرة على تحقيق ما عجزت عنه “اليونيفيل” طوال نحو نصف قرن.

ومنذ تأسيسها عام 1978، أصبحت “اليونيفيل” جزءاً ثابتاً من المشهد الجنوبي اللبناني، لكنها بقيت محاطة بانتقادات مستمرة تتعلق بضعف فعاليتها وقدرتها المحدودة على تنفيذ القرارات الدولية، وخصوصاً القرار 1701 الصادر بعد حرب تموز 2006.

وكُلّفت القوة الدولية بمراقبة وقف إطلاق النار، والتنسيق بين الأطراف، ومساعدة الجيش اللبناني على الانتشار جنوب نهر الليطاني، فضلاً عن دعم إنشاء منطقة خالية من أسلحة الجماعات المسلحة. إلا أن الواقع الميداني سار في اتجاه مختلف تماماً، حيث تمكن حزب الله خلال السنوات الماضية من تعزيز وجوده العسكري جنوباً، وبناء شبكة واسعة من البنى التحتية والقدرات الصاروخية، في ظل عجز القوة الدولية عن فرض أي تغيير جوهري على الأرض.

وترى إسرائيل أن المشكلة لم تكن في حجم “اليونيفيل” بقدر ما كانت في طبيعة تفويضها وآليات عملها، إذ اعتمدت القوة الدولية إلى حد بعيد على التنسيق مع السلطات اللبنانية، وتجنبت الدخول في مواجهات مباشرة مع حزب الله، ما جعلها عملياً عاجزة عن تنفيذ مهمة نزع السلاح أو منع إعادة التسلح.

كما استفاد الحزب نفسه من وجود القوة الدولية، ليس فقط عبر تقييد حرية التحرك الإسرائيلي، بل أيضاً من خلال استخدام الانتشار الدولي كعامل ردع سياسي ضد أي عمليات إسرائيلية واسعة داخل الجنوب اللبناني.

وبعد اتفاق وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه أواخر عام 2024، برزت “الآلية” التي تقودها الولايات المتحدة كإطار جديد للتنسيق الأمني بين إسرائيل ولبنان، بدعم فرنسي ومشاركة لبنانية وإسرائيلية مباشرة.

وعلى خلاف “اليونيفيل، لا تقوم هذه الآلية على نموذج تقليدي لحفظ السلام، بل على تنسيق استخباراتي وأمني وعسكري أكثر مرونة، يهدف إلى منع التصعيد وتفادي تضارب العمليات، مع التركيز على دعم الجيش اللبناني في ملف نزع السلاح جنوب الليطاني.

ويبدو أن واشنطن تنظر إلى هذه الآلية باعتبارها نموذجاً أكثر واقعية وأقل بيروقراطية من الأمم المتحدة، خصوصاً في ظل التوتر المتزايد بين إسرائيل ومؤسسات المنظمة الدولية التي تتهمها تل أبيب بالتحيز المزمن ضدها.

وكذلك تمنح الآلية الجديدة الولايات المتحدة قدرة أكبر على إدارة الملف اللبناني بشكل مباشر، بعيداً عن التعقيدات السياسية التي كانت ترافق عمل “اليونيفيل” داخل مجلس الأمن.

ويعتقد مؤيدو النهج الأميركي أن فرص نجاح الآلية الجديدة تكمن في عدة عوامل أساسية، أبرزها أنها تعتمد على تفاهم مباشر بين الأطراف المعنية بدلاً من نموذج الأمم المتحدة القائم على التوازنات الدولية المعقدة. فالتنسيق المباشر بين الجيش الإسرائيلي والقوات المسلحة اللبنانية، ولو بصورة غير معلنة بالكامل، يسمح بسرعة أكبر في معالجة الحوادث الأمنية ومنع التصعيد.

كما ترتبط الآلية الأميركية بإمكانية تقديم دعم عسكري وتقني واستخباراتي مباشر للجيش اللبناني بما يعزز قدرته على فرض سلطة الدولة في الجنوب.

وتدرك واشنطن أن أي محاولة لضبط الحدود أو تقليص نفوذ حزب الله لن تنجح من دون تقوية المؤسسة العسكرية اللبنانية.

وكذلك تتميز الآلية الجديدة بمرونة عملياتية أكبر مقارنة بالقوات الدولية التقليدية، فهي لا تحتاج إلى انتشار واسع أو قواعد ضخمة أو تفويض أممي معقد، بل تقوم على إدارة أمنية مركزة تعتمد على تبادل المعلومات والتنسيق الميداني السريع.

الآلية الجديدة تمنح الولايات المتحدة قدرة أكبر على إدارة الملف اللبناني بشكل مباشر، بعيداً عن التعقيدات السياسية التي كانت ترافق عمل “اليونيفيل” داخل مجلس الأمن.

كما تراهن الولايات المتحدة على أن التحولات الإقليمية الحالية، إلى جانب الضغوط الاقتصادية والسياسية الداخلية في لبنان، قد تخلق بيئة أكثر ملاءمة لدفع الدولة اللبنانية نحو خطوات تدريجية للحد من نفوذ “حزب الله” العسكري.

لكن العقبة الأساسية التي واجهت “اليونيفيل” لا تزال قائمة، وهي مسألة سلاح حزب الله. فالآلية الأميركية، مهما بلغت فعاليتها التقنية أو السياسية، ستصطدم بحقيقة أن الحزب لا يزال يمتلك نفوذاً عسكرياً وسياسياً واسعاً داخل لبنان، وأن قضية نزع سلاحه لا ترتبط فقط بالوضع الأمني، بل بالتوازنات الداخلية اللبنانية وبالصراع الإقليمي الأوسع مع إيران.

كما أن الجيش اللبناني نفسه يواجه قيوداً كبيرة سواء من حيث الإمكانيات أو الإرادة السياسية. فبيروت أطلقت خلال السنوات الأخيرة تصريحات تؤكد التزامها بسيادة الدولة واحتكار السلاح، لكن التنفيذ العملي ظل محدوداً للغاية خشية الانزلاق إلى صدام داخلي واسع.

ويضاف إلى ذلك أن أي محاولة لفرض نزع سلاح الحزب بالقوة قد تدفع لبنان إلى مواجهة داخلية خطيرة، وهو ما يجعل كثيراً من القوى الدولية تفضل سياسة الاحتواء التدريجي بدلاً من المواجهة المباشرة.

وفي موازاة ذلك، لا يبدو أن انتهاء مهمة “اليونيفيل” سيعني اختفاء الدور الأوروبي أو الأممي بالكامل من لبنان. ففرنسا وإيطاليا ودول أوروبية أخرى تسعى للحفاظ على موطئ قدم سياسي وأمني في البلاد، سواء عبر بعثات جديدة أو من خلال أدوار دعم وتدريب.

و كذلك تحاول الأمم المتحدة الإبقاء على حضورها عبر مكاتبها السياسية ومجموعات المراقبة التابعة لها، غير أن مستقبل هذا الدور سيظل مرتبطاً بالموقف الأميركي داخل مجلس الأمن.

ومع ذلك، فإن الاتجاه العام يوحي بأن مركز الثقل الأمني ينتقل تدريجياً من الأمم المتحدة إلى واشنطن، ومن نموذج “حفظ السلام” التقليدي إلى نموذج “الإدارة الأمنية” المباشرة.

وفي الأوساط الأميركية والإسرائيلية، يبرز حديث متزايد عن إمكانية تطوير الآلية الحالية لتشبه “القوة متعددة الجنسيات والمراقبين” في سيناء، التي تشرف منذ عقود على تنفيذ معاهدة السلام المصرية-الإسرائيلية.

ويقوم هذا النموذج على قيادة أميركية واضحة، وتنسيق مباشر بين الأطراف، ومشاركة متعددة الجنسيات محدودة، بعيداً عن البيروقراطية الأممية والتجاذبات السياسية داخل مجلس الأمن. غير أن تطبيق نموذج مشابه في لبنان يبدو أكثر تعقيداً نظراً لاختلاف البيئة السياسية والأمنية، ووجود فاعل مسلح قوي مثل “حزب الله” يمتلك ارتباطات إقليمية عميقة.

وفي المحصلة، لا تبدو المسألة مرتبطة فقط بقدرة الآلية الأميركية على تعويض “اليونيفيل”، بل بقدرتها على التعامل مع جوهر الأزمة اللبنانية نفسها، أي غياب احتكار الدولة للسلاح.

وفشلت “اليونيفيل” طوال عقود في تغيير هذه المعادلة لأنها عملت ضمن حدود سياسية وأمنية ضيقة، ولأن الأطراف الدولية نفسها لم تكن مستعدة لفرض تغيير جذري.

وأما الآلية الأميركية، فقد تكون أكثر مرونة وفعالية من الناحية العملياتية، لكنها ستواجه التحدي ذاته: كيف يمكن بناء استقرار دائم في جنوب لبنان بينما يبقى قرار الحرب والسلم خارج سيطرة الدولة اللبنانية؟.

ولذلك، فإن نجاح الآلية الجديدة لن يُقاس فقط بقدرتها على منع الاشتباكات الحدودية أو تحسين التنسيق الأمني، بل بمدى قدرتها على دفع لبنان تدريجياً نحو معادلة الدولة الواحدة والسلاح الواحد، وهي مهمة تبدو حتى الآن أكثر تعقيداً من أي ترتيبات أمنية أو دولية مؤقتة.