مجلس النواب المغربي يصادق على إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة

وكالة أنباء حضرموت

صادق مجلس النواب المغربي مساء الاثنين بأغلبية مريحة على مشروع قانون يعيد تنظيم المجلس الوطني للصحافة، في خطوة تهدف إلى تصحيح الإطار القانوني للتنظيم الذاتي للمهنة بعد قرار أصدرته المحكمة الدستورية في يناير الماضي.

وحظي مشروع القانون رقم 09.26، الذي سبق أن صادقت عليه لجنة التعليم والثقافة والاتصال، بتأييد 70 نائبا مقابل معارضة 25 نائبا، وسط جلسة شهدت استقطابا واضحا بين الأغلبية الحكومية والمعارضة حول دور الدولة في تنظيم الصحافة وحرية الإعلام.

ويضع التصويت حدا لحالة فراغ قانوني جزئي أعقب حكم المحكمة الدستورية، الذي اعتبر بعض مواد القانون السابق مخالفة للدستور، مما يمهد لإعادة تشكيل المجلس الوطني للصحافة على أسس جديدة.

محمد المهدي بنسعيد: النص الجديد يعزز دولة الحق والقانون ومبادئ الحكامة الجيدة والشفافية

◄ التصويت يضع حدا لحالة فراغ قانوني جزئي أعقب حكم المحكمة الدستورية

ويُعد التنظيم الذاتي في الصحافة أحد أبرز المبادئ التي تتبناها الكثير من الديمقراطيات لضمان استقلالية الإعلام مع الحفاظ على معايير مهنية عالية. ويعتمد هذا النموذج على قدرة الصحفيين والهيئات المهنية على وضع قواعد أخلاقية ومهنية وتطبيقها بأنفسهم، بعيدا عن الرقابة الحكومية المباشرة، مع الاحتكام إلى آليات داخلية للشكاوى والتأديب.

وفي المغرب يشكل التنظيم الذاتي خيارا دستوريا واضحا، حيث يؤكد الفصل 28 من دستور 2011 على حرية الصحافة ويعتبر التنظيم الذاتي للمهنة الآلية الأنجع لضمان ممارسة حرة ومسؤولة.

ويهدف هذا النهج إلى تعزيز مصداقية الإعلام الوطني، ومواجهة ظاهرة الأخبار المضللة، ورفع مستوى المهنة في مواجهة التحولات الرقمية السريعة.

ويُكلف المجلس الوطني للصحافة، بموجب مشروع القانون الجديد، بتدبير الشؤون المهنية للصحفيين والناشرين بشكل مستقل. ومن أبرز مهامه إعداد وتحديث المدونة الأخلاقية للمهنة والنظر في الشكاوى المتعلقة بانتهاكات أخلاقيات الصحافة، وإصدار بطاقات الصحافة المهنية، والدفاع عن حقوق الصحفيين.

كما يساهم المجلس في تعزيز التكوين المهني المستمر، ويشارك في التربية على الإعلام، ويعمل كوسيط بين المهنة والسلطات العمومية والجمهور. ويُنظر إليه كرافعة أساسية لترسيخ استقلالية الصحافة مع ضمان المساءلة المهنية، خاصة في ظل انتشار وسائل التواصل الاجتماعي التي غيرت قواعد اللعبة الإعلامية التقليدية.

ووصف محمد المهدي بنسعيد، وزير الشباب والثقافة والتواصل، المشروع بأنه “محطة مفصلية” في تحديث المشهد الإعلامي المغربي. وقال الوزير أمام النواب إن النص الجديد يعزز دولة الحق والقانون ومبادئ الحكامة الجيدة والشفافية، معتبرا إياه تقييما موضوعيا لتجربة التنظيم الذاتي الأولى للصحافة في المملكة.

وأكد بنسعيد أن المشروع يسعى إلى تحقيق “توازن دقيق” بين حرية الصحافة -المكفولة دستوريا- وبين احترام قواعد المهنة وأخلاقياتها، مضيفا أن “الحرية والمسؤولية ليستا متعارضتين بل متكاملتين”.

وشدد على أن النص يسد فراغات قانونية كشفت عنها التجربة السابقة، خاصة من خلال إحداث لجنة إشراف على عمليات الانتخاب والانتداب تضمن الاستقلالية والشفافية. ونفى أي نية حكومية للتدخل في التنظيم الذاتي للمهنة.

ولم تمر عملية التصويت بهدوء. فقد اعترضت أحزاب المعارضة على رفض غالبية التعديلات التي قدمتها، حيث رفضت حوالي 137 تعديلا. وتساءل الفريق الاشتراكي عن مكانة المؤسسة التشريعية في تجويد النصوص القانونية. أما الفريق الحركي فأعرب عن تخوفات مهنيين بشأن تركيبة المجلس وآليات تعيين أعضائه وحدود تدخل الإدارة. واعتبر فريق التقدم والاشتراكية أن الحكومة لم تستوعب عمق قرار المحكمة الدستورية. ورفض الوزير بنسعيد مقترح زيادة عدد أعضاء المجلس، مؤكدا أن التوجه الحالي هو التقليص.

ويعود إنشاء المجلس الوطني للصحافة إلى سنوات سابقة كخطوة رائدة نحو التنظيم الذاتي للمهنة في المغرب، في سياق إصلاحات إعلامية أوسع أعقبت دستور 2011. غير أن التجربة العملية كشفت عن نقائص قانونية ومطالب مهنية بتطوير الإطار التنظيمي، خاصة في ظل التحولات الرقمية السريعة والمنافسة الإعلامية المتزايدة.

ويأتي مشروع القانون الجديد بعد أشهر من الجدل حول استقلالية المجلس وتمثيلية مكونات الحقل الصحفي، وسط مخاوف من بعض المهنيين بشأن تدخل محتمل للسلطة التنفيذية.

وتؤكد الأغلبية الحكومية أن النص الجديد يكرس الأمن القانوني ويضمن استمرارية عمل المجلس بطريقة لا تقبل الطعن، بينما ترى المعارضة أن الإصلاح يحتاج إلى عمق أكبر ليحافظ فعليا على استقلالية الصحافة.

ومن المنتظر أن ينتقل مشروع القانون إلى مجلس المستشارين لاستكمال المسطرة التشريعية قبل صدوره في الجريدة الرسمية.