الهجمات الإيرانية تدفع نحو إعادة تقييم الوجود الأميركي في كردستان العراق

وكالة أنباء حضرموت

في ظل تصاعد الهجمات الإيرانية المتكررة على إقليم كردستان العراق خلال الحرب الإقليمية الأخيرة، يبدو أن الوجود الأميركي في شمال العراق يدخل مرحلة مراجعة استراتيجية عميقة، لا تقتصر على الجوانب العسكرية فحسب، بل تمتد إلى إعادة تقييم شاملة لطبيعة الشراكة الأمنية مع الإقليم، وحدود الانتشار الأميركي في منطقة باتت أكثر تعقيداً وتشابكاً من أي وقت مضى.

وخلال المواجهة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، تعرض إقليم كردستان العراق لموجة غير مسبوقة من الهجمات تجاوزت 700 ضربة باستخدام الطائرات المسيّرة والصواريخ، نفذتها إيران وميليشياتها المتحالفة داخل العراق.

ولم تكن هذه الهجمات عشوائية، بل طالت مواقع ذات دلالات استراتيجية، من منشآت عسكرية ودبلوماسية أميركية، إلى بنى تحتية للطاقة تشارك فيها شركات أميركية، وصولاً إلى مواقع لقوات أوروبية، وأهداف تابعة لفصائل كردية معارضة، وحتى مناطق سكنية مرتبطة بالقيادة السياسية في الإقليم.

ويعكس هذا الاتساع في نطاق الأهداف تحولاً في طبيعة الصراع، إذ لم يعد إقليم كردستان مجرد منطقة هامشية في الجغرافيا العراقية، بل أصبح ساحة مواجهة متقدمة في استراتيجية الضغط الإيرانية ضد الوجود الأميركي في المنطقة.

مع استمرار التوترات الإقليمية، يبدو أن هذا الملف مرشح ليكون أحد محاور إعادة تشكيل الاستراتيجية الأمريكية في العراق خلال المرحلة المقبلة

وفي المقابل، كشف حجم الهجمات عن ثغرات واضحة في منظومة الدفاع الجوي داخل الإقليم، باستثناء بعض المناطق المحمية مثل أربيل، حيث تتمركز أنظمة دفاعية أميركية وحليفة نجحت في اعتراض عدد كبير من المقذوفات.

لكن ورغم نجاح هذه الأنظمة في تقليل الخسائر، فإن المشهد العام أظهر حقيقة أكثر قلقاً بالنسبة لصناع القرار في واشنطن: أن الاعتماد على ترتيبات دفاعية محدودة جغرافياً لم يعد كافياً لضمان حماية قاعدة نفوذ أميركية تتوسع تدريجياً داخل الإقليم، سواء على المستوى العسكري أو الاقتصادي.

ومن هنا، بدأت تتبلور داخل دوائر القرار الأميركية قناعة متزايدة بأن الوضع الراهن في كردستان لم يعد قابلاً للإدارة بالآليات التقليدية، وأن المرحلة المقبلة قد تتطلب إعادة صياغة كاملة لطبيعة الوجود الأميركي هناك، ليس بالضرورة عبر تقليصه، بل عبر إعادة هيكلته وتوسيعه بشكل أكثر توازناً وفاعلية.

ويكتسب هذا التحول أهمية خاصة في ظل كون إقليم كردستان أحد المواقع القليلة في العراق التي لا تخضع لنفوذ مباشر من الحرس الثوري الإيراني أو الفصائل المسلحة المرتبطة به.

كما أنه المنطقة الوحيدة في العراق التي تنتشر فيها قوات أميركية بشكل مستقر نسبياً، ما جعله هدفاً مركزياً في استراتيجية إيران لتوسيع نطاق الضغط على واشنطن وحلفائها.

وتشير طبيعة الهجمات إلى أن إيران وحلفاءها في العراق لا يسعون فقط إلى إلحاق خسائر ميدانية، بل إلى إعادة رسم معادلة الردع في شمال العراق، من خلال إثبات أن أي وجود أميركي أو غربي في المنطقة يمكن استهدافه بسهولة نسبية، خاصة في المناطق التي تفتقر إلى منظومات دفاع جوي متكاملة.

وفي هذا السياق، يصبح البعد الداخلي العراقي جزءاً لا يتجزأ من المشهد. فالفصائل المسلحة المنضوية تحت إطار الحشد الشعبي تلعب دوراً محورياً في هذا التوازن المعقد، إذ تتمتع بشرعية رسمية داخل الدولة العراقية، لكنها في الوقت نفسه ترتبط عضوياً بالنفوذ الإيراني في البلاد.

وهذا الوضع المزدوج يمنحها قدرة على التحرك في مساحة رمادية بين الدولة واللا دولة، ما يجعل محاسبتها أو ضبط سلوكها أمراً بالغ الصعوبة.

كما أن هذه الفصائل تستفيد من التوتر بين بغداد وأربيل، حيث تنظر الحكومة الاتحادية في بغداد إلى إقليم كردستان باعتباره كياناً يتمتع باستقلالية مفرطة، وتسعى بشكل مستمر إلى إعادة مركزية القرار السياسي والاقتصادي.

وفي هذا الإطار، تؤدي الهجمات الأمنية إلى إضعاف الإقليم، ودفعه نحو مزيد من الاعتماد على بغداد، ما يخدم بشكل غير مباشر استراتيجية إعادة التوازن الداخلي لصالح الحكومة المركزية.

وأمام هذا المشهد، تبدو الولايات المتحدة أمام معادلة معقدة. فمن جهة، لا يمكنها التخلي عن إقليم كردستان الذي يشكل شريكاً أمنياً موثوقاً وموقعاً استراتيجياً مهماً لعملياتها في العراق وسوريا، خصوصاً في مواجهة تنظيمات مثل تنظيم الدولة الإسلامية والقاعدة.

اعتماد واشنطن على ترتيبات دفاعية محدودة جغرافيا لم يعد كافيا لضمان حماية قاعدة نفوذ أميركية تتوسع تدريجيا داخل الإقليم

ومن جهة أخرى، فإن استمرار تعرض هذا الإقليم لهجمات مكثفة دون مظلة حماية كافية يطرح تساؤلات جدية حول جدوى وحجم الالتزام الأمريكي الحالي.

ولذلك، تتجه النقاشات داخل واشنطن نحو ثلاثة مسارات رئيسية. الأول يتعلق بتوسيع منظومات الدفاع الجوي داخل الإقليم، بحيث لا تقتصر على أربيل، بل تشمل مناطق أخرى أكثر عرضة للهجمات.

والثاني يتمثل في تعزيز التعاون الاستخباراتي والعملياتي مع القوات الكردية، بما يسمح بزيادة القدرة على الاستجابة المبكرة للتهديدات.

وأما المسار الثالث فيرتبط بإعادة تقييم قواعد الاشتباك والوجود العسكري الأمريكي، بما يضمن توزيعاً أكثر فعالية للقوات والمعدات.

وفي المقابل، يواجه هذا التوجه تحديات سياسية معقدة داخل العراق. فبغداد تتحسس بشدة من أي توسع في الدور العسكري الأميركي، بينما تعتبر بعض القوى السياسية أن تعزيز الوجود الأميركي في كردستان قد يخلّ بالتوازن الداخلي، ويزيد من التوتر مع الفصائل المسلحة. كما أن إيران وحلفاءها في العراق قد يعتبرون أي تعزيز للوجود الأميركي في الإقليم بمثابة تصعيد مباشر، ما قد يفتح الباب أمام موجة جديدة من الهجمات.

ومع ذلك، يرى محللون أن استمرار الوضع الحالي دون تغيير قد يكون أكثر خطورة على المدى البعيد، إذ يترك قوات وشركاء الولايات المتحدة في حالة انكشاف أمني دائم، ويعطي إيران مساحة أوسع لاستخدام كردستان كساحة ضغط منخفضة التكلفة نسبياً.

كما أن البعد الاقتصادي لا يقل أهمية عن البعد الأمني. فإقليم كردستان، الذي يضم أكثر من 6.5 مليون نسمة، يمثل منطقة واعدة للاستثمار الأميركي في قطاعات الطاقة والمعادن والبنية التحتية. لكن استمرار التهديدات الأمنية قد يحد من قدرة الشركات الأمريكية على العمل هناك، ويقلل من جاذبية الإقليم كمركز اقتصادي إقليمي.

وفي ضوء ذلك، يمكن القول إن الهجمات الإيرانية الأخيرة لم تقتصر على كونها عمليات عسكرية، بل أدت إلى إعادة فتح ملف العلاقة بين واشنطن وكردستان على نطاق أوسع، يشمل الأمن والسياسة والاقتصاد.

ومع استمرار التوترات الإقليمية، يبدو أن هذا الملف مرشح ليكون أحد محاور إعادة تشكيل الاستراتيجية الأمريكية في العراق خلال المرحلة المقبلة.

وبينما لا تزال الصورة النهائية غير واضحة، فإن المؤكد أن كردستان لم تعد مجرد ساحة هامشية، بل أصبحت جزءاً مركزياً في معادلة الصراع الإقليمي، وأن مستقبل الوجود الأمريكي فيها سيتحدد بناءً على قدرة واشنطن على التكيف مع بيئة أمنية أكثر تعقيداً، تتداخل فيها المصالح المحلية والإقليمية والدولية بشكل غير مسبوق.