الجزيرة تكسب معركة الجمهور الأميركي على يوتيوب
مع استمرار الصراع الأميركي الإسرائيلي ضد إيران، توجه ملايين الأميركيين إلى قناة الجزيرة الإنجليزية للحصول على تغطية إخبارية حية ومفصلة للحرب، مما أدى إلى ارتفاع ملحوظ في شعبيتها الرقمية مقارنة ببعض الشبكات الأميركية التقليدية مثل سي.أن.أن وفوكس نيوز.
ووفقاً لتقارير حديثة، اقتربت الجزيرة الإنجليزية من سي.أن.أن على منصة يوتيوب خلال الأسابيع الماضية، حيث بلغ عدد مشتركيها نحو 17.9 مليون مشترك مقابل 19.2 مليون لسي.أن.أن، بينما سجلت فوكس نيوز 15.2 مليون مشترك فقط.
وتضيف قناة الجزيرة الإنجليزية نحو نصف مليون مشترك شهرياً، في حين تجاوز إجمالي مشتركي منصاتها على يوتيوب أكثر من 40 مليون، متفوقة على مجموع مشتركي سي.أن.أن وفوكس نيوز البالغ 34.4 مليون. وسجل موقع الجزيرة 16 مليون زيارة من الولايات المتحدة في شهر مارس الماضي وحده، بارتفاع قدره 30 في المئة، في الوقت الذي خسرت فيه فوكس نيوز 19 في المئة من حركة المرور على موقعها.
ويعكس هذا التحول اتجاهاً أوسع في استهلاك الأخبار بين الأميركيين، خاصة الجيل الشاب الذي يفضل المنصات الرقمية على التلفزيون الكابلي التقليدي. ويُعزى اللجوء إلى الجزيرة الإنجليزية إلى عدة عوامل رئيسية، أبرزها نقص التغطية الميدانية لدى العديد من وسائل الإعلام الغربية داخل إيران، حيث تمتلك الجزيرة شبكة واسعة من المكاتب والمراسلين في المنطقة. كما تقدم القناة تغطية مستمرة ومباشرة عبر الإنترنت، مع التركيز على الجوانب الإنسانية والميدانية للصراع.
قطر أدركت، قبل 30 عامًا، أن امتلاك شبكة إعلامية عالمية استثمار إستراتيجي. فقد أنفقت مليار دولار لإطلاق قناة الجزيرة الإنجليزية وحدها
وفي سياق سياسي مشحون، يبحث بعض المشاهدين عن منظور بديل يختلف عن السرد الغالب في الإعلام الأميركي.
ومع ذلك، لا تزال فوكس نيوز تتصدر التقييمات التلفزيونية التقليدية عبر الكابل بفارق كبير، حيث يصل عدد مشاهديها في أوقات الذروة إلى نحو ثلاثة ملايين، تليها أم.أس.أن.بي.سي وسي.أن.أن. أما الجزيرة فتعتمد بشكل أساسي على المنصات الرقمية، وهي ممولة من قطر وتمتلك أكثر من 70 مكتباً حول العالم.
ويأتي هذا النمو في ظل تحول عام في عادات استهلاك الأخبار نحو المصادر الرقمية، خاصة خلال الأزمات الدولية الكبرى. ومع استمرار المفاوضات والهدنة الهشة في المنطقة، من المتوقع أن يظل الطلب على تغطية متنوعة ومباشرة مرتفعاً بين الجمهور الأميركي.
ويقول مراقبون إن هذه المعلومة تكشف عن مسار حروب المعلومات في العقد القادم أكثر مما تكشفه أي تقارير من البنتاغون أو أوراق بحثية صادرة عن مراكز الأبحاث.
وتمول قطر الآن القناة الإخبارية الأكثر مشاهدة باللغة الإنجليزية التي تغطي أخبار الشرق الأوسط.
خسرت فوكس نيوز، الداعم الأكبر للحملة ضد إيران، 19 في المئة من زوار موقعها الإلكتروني في مارس. حققت قناة الجزيرة مكاسب بنسبة 30 في المئة في السوق الأميركية، أي ما يعادل 16 مليون زيارة من الولايات المتحدة في شهر واحد، وفقًا لصحيفة برس غازيت.
وفي المقابل، شهدت القناة الأكثر تأييدًا للحرب في البلاد انخفاضًا حادًا في عدد زياراتها، بينما استقطبتهم شبكة ممولة قطريًا تُصنّف الصراع على أنه “حرب أميركية – إسرائيلية على إيران”.
ويمتد هذا المسار إلى 7 أكتوبر 2023. وقد رسّخت الحرب الإيرانية هذا التوجه. والمشكلة ليست في التحيز، مع أن التحيز موجود بالفعل، بل في توقف وسائل الإعلام الغربية عن التواجد في المنطقة التي تدّعي تغطيتها.
أمرت الحكومة الأميركية، التي تخوض حربًا من اختيارها، صحافتها الحرة بالموافقة على نشر أي محتوى. امتثلت معظم وسائل الإعلام، لعدم وجود جهة معارضة، بالصمت.
كانت النتيجة تغطية إعلامية شعر عشرات الملايين من المشاهدين أنها تفتقر إلى نصف الحقيقة. وهذا صحيح. لا يُمكن تغطية حرب ضد دولة ما دون وجود أي مراسلين لها داخلها.
ليست هذه مشكلة تحيز، بل قرار توظيف اتُخذ في جميع غرف الأخبار الغربية الكبرى على مدى عقدين من الزمن، وخلال الحرب الإيرانية، باتت عواقبه واضحة لأي شخص يملك هاتفًا محمولًا ومحرك بحث.
قطر تتعامل مع الإعلام كما تتعامل مع ثرواتها السيادية: بنية تحتية تُدرّ عوائدها على النفوذ لا على الإيرادات
توسطت باكستان في وقف إطلاق النار الذي أنهى الحرب، ولم تُعر معظم وسائل الإعلام الأميركية اهتمامًا يُذكر، لعدم وجود من يفهم ما يجري في المنطقة.
لم يدم هذا الفراغ طويلًا: ففي فبراير، سجل موقع الجزيرة الإلكتروني 63.4 مليون زيارة، وهي أكبر زيادة سنوية بين أفضل 50 موقعًا إخباريًا ناطقًا باللغة الإنجليزية في العالم. وفي مارس، ارتفعت الزيارات بنسبة 232.7 في المئة. نصف جمهور الموقع الإنجليزي غربي، بما في ذلك 30 في المئة أميركيون، و7 في المئة بريطانيون، و7 في المئة كنديون.
وراء هذه الأرقام، توجد منظومة لا مثيل لها في الغرب: أكثر من 70 مكتبًا في كل قارة، وما بين 3000 و3700 موظف من 95 جنسية، والعملية برمتها تُدار بخسارة دائمة بتمويل من قطر. لا توجد أي تقارير عن الأرباح. لا تردد من المعلنين. لا جولات لخفض التكاليف عند انحسار زخم الأخبار. لا تحتاج الجزيرة إلى الربحية، بل إلى التأثير. وهي كذلك.
خلصت مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات إلى أنه “لا يوجد موقفٌ واحدٌ للجزيرة بشأن هذه الحرب”. طوال حرب إسرائيل وحماس في غزة، حافظت الجزيرة على موقف تحريري ثابت. كشفت الحرب الإيرانية أن هذا الموقف يعتمد كلياً على ما إذا كان أمن قطر نفسه مُهدداً. عندما يتعرض الداعم الرئيسي للهجوم، يتغير الموقف.
خفضت خدمة بي.بي.سي العالمية ميزانيتها بنسبة 21 في المئة منذ عام 2021. وتستمر شبكة سي.أن.أن الدولية في التقلص. ولا يوجد أي مراسلٍ لصحيفة نيويورك تايمز في طهران. البديل للجزيرة، في الوقت الراهن، هو مجرد كلامٍ فارغ.
وتؤكد صحيفة جيروزاليم بوست الإسرائيلية “لا نستطيع منافسة الجزيرة حاليًا. لا إسرائيل، ولا وسائل الإعلام الغربية أيضًا. والسبب هيكلي. فالنموذج التجاري التقليدي للأخبار الدولية معيب. المكاتب الخارجية مكلفة، وتغطية الحروب مكلفة، والأخبار، في معظمها، لم تعد مربحة”.
أما المؤسسات الإعلامية التي تشهد نموًا فهي تلك التي انتقلت إلى نموذج التأثير: ملكية تغطي التكاليف أو تتحمل الخسائر لأن الصحافة تروج لقضية يؤمن بها المالك. لم يشترِ جيف بيزوس صحيفة واشنطن بوست بهدف الربح، ولم يبنِ مايكل بلومبيرغ بلومبيرغ نيوز كمركز ربحي، ولم تُنشئ قطر الجزيرة لبيع الإعلانات.
يكمن الفرق في أن قطر أدركت، قبل 30 عامًا، أن امتلاك شبكة إعلامية عالمية استثمار إستراتيجي. فقد أنفقت مليار دولار لإطلاق قناة الجزيرة الإنجليزية وحدها، وتموّل أكثر من 70 مكتبًا بخسارة دائمة، وأنشأت غرفة أخبار متكاملة مع الذكاء الاصطناعي بينما كانت الشبكات الغربية تتناقش حول إبقاء مكتبها في بيروت مفتوحًا.
تتعامل قطر مع الإعلام كما تتعامل مع ثرواتها السيادية: كبنية تحتية تُدرّ عوائدها على النفوذ لا على الإيرادات.