زينب عبدالكريم تشكل الوجع الإنساني من ملامح المرأة
المطلع على سيرتها الفنية يجدها زاخرة بالعطاءات الإبداعية المتواصلة، مما رسّخ جذور تجربتها في المشهد التشكيلي العراقي والعربي بصفة عامة، إنها التشكيلية العراقية زينب عبدالكريم، مبدعة تمتلك مهارة الترصيف والتوليف والتركيب والإيقاع في منجزها الإبداعي المتميز، دؤوبة، تعمل بشتى الخامات وتحاول لمس الجرح البشري عبر الكثير من أعمالها.
المرأة وملامح الوجع
المتأمل لأعمال زينب عبدالكريم الفنية يقف على اهتمام خاص بتصوير عالم المرأة بما يعتمل فيه من منغصات مكدّرة للصفاء ومطفئة لألق السعادة والحياة. ترسمها بملمح ذي بُعدٍ نُحتي. ونلمس في ذلك غايتين، الأولى: لا تُختزل صورة المرأة في تطويق أحلامها أو تقييد حركتها، بل تظهر ككيان يواجه القسوة اليومية بإرادة صامتة تحمل بذور القوة والتحدي. أما الغاية الثانية فهي تخليد وجودها الأزلي الذي يفرض نفسه، مما يجعل تواجدها منقوشا في التاريخ عبر حفريات تشهد على مجدها وكفاحها الذي سيظل ساريا وفق سريان الزمن وفي كل مكان.
مبدعة تمتلك مهارة الترصيف والتوليف والتركيب والإيقاع في منجزها الإبداعي، تعمل بشتى الخامات وتحاول لمس الجرح البشري
وبحكم تجربتها الإنسانية وتجاربها في مجال حقوق الإنسان والمرأة، فهي الأقرب إلى هموم المرأة وأدرى بأعماقها، مما جعل إبداعاتها مفعمة بصدق العاطفة وأمانة التعبير عن معاناتها، وهو من أهم غايات الفن. لوحات تضفي على مفرداتها نوعا من الأحاسيس التي توقظ التعاطف مع المرأة، وهي تتبدى في وضعيات تحمل الأسى بدل البهجة، وتحمل الانطواء بدل الحركة الحية، وتحمل الاستغاثة بدل الإحساس بالأمان. إنها المرأة المغتربة، والمرأة المعانقة لألمها المانع من تحقيق أملها، والمرأة المطلة وراء غشاوة من دخان أو ما يشبهه.
تلك هي الملامح الفارضة لنفسها في الملمح العام للوحات زينب عبدالكريم في حدود المنجز الإبداعي الذي أمكننا مشاهدته قبل كتابة المقال.
لكل مبدعة أسلوبها، ولكل مبدعة تقنياتها المستهوية لاشتغالها، مما يكسبها مهارة التحكم في التشكيل والنسج به، والحال أن منجز زينب عبدالكريم يبدي مهارتها وحذقها في استعمال شتى الخامات، مشتغلة ضمن سيناريوهات تمليها عليها مشاعرها الإنسانية وما يكمن فيها من غربة وشوق وتوق إلى عوالم أكثر إشراقا وسكينة، وهي في ذلك حريصة على اتزان الأشكال مع عدم إغراق اللوحة في التجريدية المطبقة التي لا تقول شيئا محددا ملموسا، لتجعل أعمالها رسائل مؤثرة تحرك الإحساس وتنحو بالمشاهد إلى الانخراط في جملة من التساؤلات المؤلمة في زمن الصراعات المستبعدة للأمن البشري.
والفنانة زينب، رغم ميلها إلى تعميق الإحساس بعالم المرأة، تقدم عبر منجزها الإبداعي المتنوع صورة للعالم القاتم والمضطرب في الكثير من بقاعه، باعتبار الفنان مترجما لأحلام وآلام الإنسان في كل مكان.
عالم مهدد
وأنت أمام لوحاتها ستنخرط في عوالمها، متواصلا مع ما توحي به تركيبتها الجمالية؛ وكأنك أمام عمل منحوت، فهذه لوحة تصوب عينيها نحو الشمس وهي محاطة بطبقات قاتمة ذات تكوين نُحتي، والطفلة في وضعية المتضرعة الشاكية إلى الله مما يكدر رونق حياتها. وهذه لوحة تظهر فيها فتاة محاطة بدوائر حادة الجوانب، وتبدو مؤثرة على نفسيتها وجسدها، مما يجعلها في وضعية رافعة لهامتها نحو الأعلى، صارخة تبحث عن الخلاص، لوحة تكرر إحساس اللوحة الأولى.
وهذه لوحة تجسد وجه طفلة حزينة فيما يشبه مغارة مظلمة، وتوحي بالحرمان والبحث عن دفء الأمومة والأبوة المفقودتين. وتلك لوحة تقدم المرأة رؤية تستحضر الذاكرة والتأمل، حيث يتشكل مسار بصري متشظ تتداخل فيه الأزمنة بين الماضي والحاضر، ليعكس هشاشة الوجود الإنساني أمام العنف والظلم المتكرر.
تنبثق من هذا البناء تكوينات مكسّرة تشير إلى عالم مهدد بالانقسام والتفكك، في مقابل دعوة إلى اليقظة والمسؤولية الجماعية، والتفكير في مستقبل مشترك يقوم على الوحدة والتعاطف كقيمة إنسانية في مواجهة العتمة القادمة. وتلك لوحة أخرى تضم ثلاثة وجوه متعددة الملامح، وبألوان مركبة تميل إلى الغموض.
أمام هذه المفردات المتكررة في بعض أعمالها استطاعت المبدعة زينب، على غرار غيرها من الفنانين والفنانات في الوطن العربي، تحقيق أحد أهم الأهداف التي نتوخاها في الفنون بكل مجالاتها، إذ الفن الغني العظيم حسب هيغل “يستخدم (…) لمضمونه ليكمل، من جهة أولى تجربتنا وليستحضر، من الجهة الثانية وبصورة عامة، المشاعر والعواطف والأهواء التي عددناها للتو، وذلك حتى لا نجد أنفسنا أمام تجارب لحياة عديمي الحس، وحتى تبقى حساسيتنا منفتحة على كل ما يجرّ خارج أنفسنا”.
والحال أن الفن يتوصل إلى تحريك أوتار الحساسية، لا بواسطة تجارب الوقائع، وإنما بواسطة ظاهرها فحسب. وتبقى أعمال زينب أعمالا تثير الكثير، وتترجم ما يعتمل في واقعنا اليومي من توترات وتحولات، في زمن تتجدد فيه مظاهر الدمار والخراب والاعتداءات، بعيدا عن قيم النبل الإنساني واحترام حقوق الإنسان.
الفنانة التشكيلية زينب عبدالكريم وُلدت في بغداد، وتعيش في النرويج. تخرجت في جامعة بغداد، كلية الفنون الجميلة، فرع الرسم، عام 1992، وعام 1995 تخرجت في معهد الفنون الجميلة ببغداد، فرع الرسم. وحصلت عام 1995 على دبلوم في ترميم اللوحات من كلية الترميم بجمهورية التشيك.
هي عضو في جمعية الفنانين النرويجية، وجمعية الفنانين في أوسلو عام 2012، تخرجت في أكاديمية نانسن (الأكاديمية الإنسانية النرويجية)، قسم الفنون الجميلة في ليلهامر بالنرويج عام 2008. حصلت على شهادة للمشاركة في برنامج عن حقوق الإنسان عام 2006.
أقامت الفنانة ثمانية معارض شخصية، وشاركت في معارض وفعاليات فنية دولية، وحصلت على عدد من الجوائز وشهادات التقدير في مجالات الفن التشكيلي والتصميم وقضايا المرأة.