وثائقي "فرانس5" عن المغرب.. سردية قديمة لا تعكس الواقع الجديد
أثار الفيلم الوثائقي الذي بثته قناة "فرانس 5" مساء الأحد 5 أبريل 2026، بعنوان "أحبك ولا احبك: فرنسا-المغرب"(Je t’aime moi non plus: France-Maroc)، ردود فعل واسعة ومبررة في المغرب، حيث اعتبره الرأي العام والإعلام المغربي عملاً إعلامياً منحازاً يعيد إنتاج سرديات قديمة ومغلوطة، في توقيت يُنظر إليه على أنه محاولة للتشويش على التقارب الاستراتيجي المتجدد بين المملكة المغربية وفرنسا.
الوثائقي، الذي أخرجه بينوا برينجيه واستمر نحو 75 دقيقة ضمن برنامج "لوموند أونفاس" (Le Monde en face)، يستعرض تاريخ العلاقات المغربية-الفرنسية منذ معاهدة الحماية عام 1912، مروراً باستقلال المغرب عام 1956، وقضية المهدي بن بركة، وفترة حكم الملك الحسن الثاني، وحتى العهد الجديد تحت قيادة الملك محمد السادس.
ويصف الوثائقس العلاقة بين البلدين بـ"العاصفة"، مع التركيز على ملفات حساسة مثل قضية "بيغاسوس"، وادعاءات تتعلق بالصحفيين، ومحاولات استدعاء مدير المخابرات المغربية عبد اللطيف حموشي أمام القضاء الفرنسي، إلى جانب ملف الصحراء المغربية.
وقال محللون إن الوثائقي يعاني من انتقائية واضحة في اختيار المواضيع، حيث تم التركيز بشكل لافت على قضايا خلافية، وبعض الملفات القضائية ذات الطابع الشخصي، مع تقديمها في قالب يوحي بوجود أنماط ممنهجة، دون تقديم الأدلة الحاسمة أو منح الكلمة الكافية للأطراف المعنية.
وأكدوا أن هذا النوع من المعالجة لا ينسجم مع قواعد العمل الصحفي الرصين، الذي يقتضي التوازن بين الروايات، والاعتماد على مصادر متعددة، وتقديم سياق شامل يسمح للمشاهد بتكوين رأي مبني على معطيات دقيقة. لكن ما حدث هو العكس، حيث تم توجيه السرد نحو زاوية واحدة، تبرز السلبيات وتغفل عمدا عناصر أخرى أساسية.
وشارك في الوثائقي شخصيات فرنسية ومغربية بارزة من بينها ليلى السليماني، طاهر بن جلون، نجاة فالو بلقاسم، جمال دبوز، ودومينيك دو فيلبان، إلى جانب شهادات مهاجرين مغاربة. وتبعه نقاش تلفزيوني ووثائقي ثانٍ بعنوان "محمد الخامس، أبو الاستقلال المغربي".
ونشر المغاربة أجزاء من الوثائقي، معتبرين العمل تحاملاً واضحاً وغياباً للتوازن. فقد أكدت وسائل الإعلام المغربية، أن الوثائقي لم يقدم أي معطى جديداً أو معلومات غير مسبوقة، بل اكتفى بإعادة تدوير اتهامات قديمة دون سياق قانوني أو تطورات حديثة.
وأبرزت أن الوثائقي تجاهل البراءات القضائية المتكررة في فرنسا بشأن بعض الملفات، والسياقات الجنائية لبعض الشكاوى، كما أغفل التقارب الدبلوماسي الكبير الذي شهدته العلاقات مؤخراً، خاصة بعد الموقف الفرنسي الإيجابي تجاه سيادة المغرب على صحرائه.
وقال معلقون إنه لا يمكن قراءة هذا الوثائقي بمعزل عن المسار المهني لبعض القائمين عليه، وعلى رأسهم المخرج جون لويس بيريز، الذي سبق أن أخرج أعمالاً مثيرة للجدل حول المغرب، وارتبط اسمه بمحطات توتر إعلامي مع السلطات المغربية. هذه الخلفية تجعل من الصعب فصل العمل الحالي عن سياق أوسع من التراكمات الشخصية والمهنية.
كما أن أسلوب الطرح يوحي أحياناً بنوع من “تصفية الحساب”، خاصة في طريقة تناول بعض القضايا، التي تم إخراجها من سياقها القانوني أو الاجتماعي، وإعادة توظيفها سياسيا، بما يخدم سردية معينة.
وأشار مراقبون مغاربة في هذا السياق، إلى أن مخرج العمل نفسه سبق له إخراج وثائقي آخر عام 2015 بعنوان "ملك المغرب: الحكم السري" على قناة "فرانس3"، ما يعزز الشكوك حول التوجه المسبق. كما أن توقيت البث – في ذكرى الاستقلال السبعين – يأتي وسط تقدم ملموس في الشراكة الاقتصادية والأمنية والطاقية بين البلدين، مما جعل الكثيرين يرونه محاولة لتصفية حسابات إعلامية قديمة وإعادة إنتاج صورة نمطية سلبية عن المغرب الذي أصبح اليوم شريكاً ندياً يدافع بقوة عن سيادته ومصالحه الاستراتيجية.
وإن أكد معلقون أن حرية التعبير تظل من الركائز الأساسية في أي مجتمع ديمقراطي، ومن حق وسائل الإعلام تناول مختلف القضايا، بما فيها تلك التي تثير الجدل، فإنهم اعتبروا أن هذه الحرية تقترن دائماً بالمسؤولية، التي تفرض احترام قواعد المهنية، وتجنب التعميم، والابتعاد عن الانتقائية.
وفي حالة هذا الوثائقي، يبدو أن كفة الإثارة غلبت على كفة التحليل، وأن الرغبة في شد انتباه المشاهد طغت على ضرورة تقديم محتوى متوازن وموثوق.
على وسائل التواصل الاجتماعي، انفجر الغضب المغربي تعبيراً عن رفض هذه السردية المنحازة. وكتبت معلقة:
ويجسّد الرد الفعل المغربي الواسع على وثائقي "فرانس5" نموذجاً حياً للنضج الدبلوماسي والإعلامي الذي بلغه المغاربة في مواجهة محاولات إعادة إنتاج صور نمطية قديمة. إذ أصبح المغرب يفرض احتراماً متبادلاً يقوم على الندية الكاملة والدفاع الثابت عن مصالحه الاستراتيجية، خاصة سيادته على صحرائه.
هذا الرد السريع والمنسجم، الذي جمع بين الإعلام الوطني والرأي العام والنخب، يعكس وعياً عميقاً بأن أي محاولة للتشويش الإعلامي لن توقف مسيرة تقدم المغرب، ولا شراكاته المتوازنة مع فرنسا أو غيرها.
كما أظهرت الدبلوماسية المغربية في هذا السياق حكمةً وثباتاً، فبدلاً من الردود الانفعالية أو التصعيد غير المبرر، اعتمدت المملكة على الوضوح في الدفاع عن الحقائق: تذكير الجانب الفرنسي بالتطورات القضائية الإيجابية في ملفات مثل "بيغاسوس"، والسياقات الحقيقية لبعض الشكاوى، والتقارب الاستراتيجي الأخير الذي شهد اعترافاً فرنسياً بمغربية الصحراء.
هذا النهج الدبلوماسي الناضج يؤكد أن المغرب شريك موثوق وقوي، يدير علاقاته بذكاء ويرفض أي شكل من أشكال الوصاية أو الضغط الإعلامي.
أما الإعلام المغربي فقد أثبت مرة أخرى احترافيته ودوره الوطني الواعي. من خلال تحليلات دقيقة فضحت التحامل الواضح في الوثائقي، مما عزز الوعي الوطني وأظهر قدرة الإعلام المغربي على مواجهة الحملات الخارجية بمهنية عالية وبدون انزلاق إلى لغة التصعيد العقيم.