بوليساريو تقصي صقورها بالموازاة مع تحركات أميركية لتصنيفها منظمة إرهابية
أقالت بوليساريو تحت إشراف جزائري قيادات بارزة تشرف على الهياكل العسكرية والسياسية، وذلك في سياق دعوات داخل الكونغرس ومجلس الشيوخ الأميركيين لتصنيف الجبهة منظمةً إرهابية.
وطالت عملية إعادة الهيكلة نحو عشرين منصبا داخل القيادة العسكرية لبوليساريو، خصوصا الشخصيات التي خلفت جدلا واسعا بسبب تصريحات سابقة تحرض على العنف، إضافة إلى الدائرة المقربة من إبراهيم غالي (زعيم الجبهة)، في خطوة تعكس محاولة احتواء تداعيات التحركات التشريعية الأميركية المتسارعة.
وانضمت النائبة الجمهورية إليز ستيفانيك، رسميا، إلى قائمة الموقعين على مشروع القانون الرامي إلى تصنيف الجبهة الانفصالية منظمة إرهابية؛ في خطوة جديدة تعزز اتساع دائرة الدعم داخل الكونغرس لهذا المقترح التشريعي.
ويبدو أن قيادة الجزائر انتبهت لخطورة الموقف وأوعزت إلى بوليساريو بإبعاد شخصيات ارتبطت بخطابات تحريضية على العنف خلال السنوات الأخيرة، خصوصا تلك التي دعت إلى استهداف مناطق الصحراء المغربية، في محاولة لامتصاص الغضب الدولي وإبعاد الجبهة عن الرادار الأميركي.
وتم إعفاء قائد الميليشيات محمد الولي اعكيك من منصب “رئيس الأركان” الذي كان يشغله منذ سنة 2021، وما يسمى وزير “الأراضي المحتلة” مصطفى سيدي علي البشير، حيث كان مكلفا أيضا بملف الجالية.
ودعا اعكيك في مايو 2022 بشكل علني إلى تنفيذ هجمات إرهابية داخل مدن الصحراء المغربية. وبعد أقل من سنة، وفي بداية مايو 2025، تبنى مصطفى سيدي علي البشير نفس النهج عندما دعا بدوره إلى استهداف الشركات الأميركية والأوروبية والصينية التي استثمرت بشكل كبير في الصحراء المغربية، ما زاد من حدة الانتقادات الدولية.
وأكد محمد الطيار، الباحث في الدراسات الإستراتيجية والأمنية، أن “هذه التغييرات هي عملية هيكلة اضطرارية يقودها إبراهيم غالي لإحكام القبضة على مفاصل القرار العسكري والدبلوماسي، عبر استبدال مراكز القوى التقليدية بوجوه تدين له بالولاء المطلق، وتهدف أساسا إلى التحضير لمخاض عسير تفرضه المتغيرات الدولية الكبرى لمواجهة واقع سياسي جديد قد يفرض عليها (بوليساريو) مسارات تفاوضية لم تكن ترغب فيها، مع انكماش الدور الجزائري، وفي الوقت نفسه محاولة تنظيف صورتها الدولية من خلال تقديم هيكل تنظيمي يبدو مؤسساتيا، وذلك للهروب من شبح التصنيف الأميركي كمنظمة إرهابية”.
وأوضح في تصريح لـ”العرب” أن “تعيين خصوم مثل البشير مصطفى السيد في منصب تشريعي (رئاسة المجلس الوطني) لا يخرج عن إطار المناورة السياسية، كونها عملية تهدف إلى احتواء الأصوات المعارضة داخل قوالب بروتوكولية بعيدة عن السلطة التنفيذية والمالية”، لافتا إلى أن “هذا التوزيع الجديد للأدوار يهدف إلى امتصاص الاحتقان الداخلي وتقديم رسالة للخارج تستهدف إظهار التمسك بخط الصقور المتشدد لعرقلة مقترح الحكم الذاتي، مع الحفاظ على تماسك صوري يمنع الانشقاقات في هذه المرحلة الحساسة”.
وتابع الطيّار قائلا إن “دور العقيدة العسكرية الجزائرية يبرز كحجر زاوية في هذا المشهد، وهي عقيدة مركبة تتجاوز الجانب الدفاعي لتشكل المحرك الأساسي لتصورات الدولة الجزائرية في محيطها الإقليمي والدولي، هذه العقيدة، التي ترى في استدامة النزاع المفتعل أداةً للتوازن الجيوسياسي، لا يمكن أن تتغير بسهولة أو بقرار آني”.
كما يرى الطيّار أنه في حالة تحول التهديد الأميركي بالتصنيف الإرهابي إلى واقع قانوني واستمرار مجلس الأمن الدولي في تبني الحكم الذاتي خيارا وحيدا للحل، ستجد الجبهة نفسها أمام خيار انفجار داخلي نتيجة تضارب المصالح بين الحرس القديم المتمسك بالشعارات الثورية التي تستهدف أمن واستقرار المغرب، أو الانصياع الاضطراري لمسار تفاوضي جديد ينهي مرحلة الجمود، مما يعني أن هذه التعيينات ليست سوى مسكنات مؤقتة لصراع أعمق ومؤجل داخل بيت بوليساريو.
وتم تعويض محمد الولي اعكيك بشخص حمة سلامة، الذي سبق له أن تولى قيادة منطقتين عسكريتين داخل بوليساريو، وكان يشغل منصب رئيس “برلمان” بوليساريو، إذ يحظى هذا الأخير بتقدير كبير داخل النظام الجزائري.
وتأتي هذه التحولات أيضا بعد إعلان الجزائر عن تبني عقيدة جديدة تقوم على “البراغماتية الدبلوماسية”، تم الكشف عنها عبر مجلة “الجيش”، المقربة من المؤسسة العسكرية، وهو ما يفسره محللون على أنه إعادة تموضع تكتيكي لا يرقى إلى تغيير جذري في السياسة الجزائرية تجاه بوليساريو، بقدر ما يعكس محاولة لتفادي تداعيات تصنيف محتمل قد تكون له كلفة سياسية ودبلوماسية ثقيلة.