الاختراق الإيراني للشاشات العربية في مقابل الفراغ السردي والانقسام العربي
في مشهد يتكرر على شاشات الإعلام المؤيد لـ”محور المقاومة”، يبرر محللون سياسيون استهداف إيران للمرافق المدنية والبنية التحتية في الدول المجاورة، معتبرين ذلك “ردًا مشروعًا” أو “معادلة عين بالعين”، رغم الإدانات الدولية والعربية الواسعة لهذه الأعمال التي تطال المطارات، الموانئ، منشآت الطاقة، والمناطق السكنية.
ومن بين هؤلاء المحللين البارزين، فادي بودية، رئيس تحرير شبكة “مرايا الدولية” والصحفي اللبناني الذي يظهر بانتظام على قنوات مثل الميادين والجزيرة وغيرها، حيث يدافع عن السياسة الإيرانية ويصفها بـ”القتال بدون سقوف” و”الحفاظ على الكرامة”.
وفي مقابلات حديثة، أكد بودية أن إيران “تضرب على مستوى الضربات التي تتعرض لها”، وأن أي استهداف لمنشآت اقتصادية أو بنى تحتية يأتي كرد على “انتهاكات” الجانب الآخر. كما تحدث عن “مفاجآت” إيرانية لن تتحملها الولايات المتحدة، ووصف التصريحات المعارضة بـ”الهستيرية”.
كما دافع في حلقات تلفزيونية عن صمود إيران “للحفاظ على كرامة الشعب الإيراني والمقدسات”، معتبرًا أن أي ضغط على المنشآت المدنية أو الاقتصادية جزء من “الحرب الشاملة” التي تفرضها إيران ردًا على ما تسميه “عدوانًا”.وكتب على حسابه على أكس:
وأثارت تصريحات بودية غضبًا واسعًا في أوساط لبنانية وعربية، خاصة عندما قارن بين “أطفال لبنان وأطفال إيران” أو برر استهداف مواقع تعليمية ومدنية بذريعة الرد على ضربات مشابهة.
واتهمه ناشطون بتبرير استهداف التلاميذ والأطفال في مدارس وجامعات، معتبرين ذلك “سقوطًا أخلاقيًا” يتناقض مع مبادئ القانون الدولي الإنساني.
في توضيح لاحق نشره على منصة “إكس”، نفى بودية أنه يحرض على قتل الأطفال، مؤكدًا أنه تحدث فقط عن “المعادلة التي وضعتها إيران والتي تقوم على العين بالعين والسن بالسن”، وأن الأمر يتعلق برد على “العدوان الأميركي والإسرائيلي على جامعات إيرانية ومرافق خدماتية”.
كما تحدث في حلقات أخرى عن “مفاجآت لن تحتملها أميركا في أرض إيران”، ووصف الحرب على إيران بـ”الحماقة” التي أعادت “ثورة خمينية خامنئية من جديد”.
وأثارت هذه التصريحات استنكارًا شديدًا في لبنان، مع دعوات لتحرك قضائي ضده بتهمة “التحريض” و”تعريض الأمن اللبناني للخطر”. وصفها بعض الإعلاميين اللبنانيين بـ”جريمة كاملة الأوصاف”.
يأتي دور بودية ضمن ظاهرة أوسع يصفها مراقبون بـ”الاختراق الإيراني” لجزء من الإعلام العربي، خاصة عبر قنوات موالية لـ”محور المقاومة”. ويركز هؤلاء المحللون على سردية “الصمود الإيراني” و”التفوق الاستراتيجي”، ويقللون من أهمية الضربات على البنية التحتية المدنية أو يبررونها كرد متكافئ.
والاختراق ليس جديدًا، لكنه ظهر بشكل أوضح في 2026 بسبب شدة الحرب وسرعة التصعيد. يعتمد على شبكة قنوات ومحللين مرتبطين سياسيًا وماليًا بإيران، يقدمون تبريرًا “استراتيجيًا” لأفعال تُعتبر انتهاكًا للقانون الدولي من قبل معظم الدول العربية والغربية. ويستهدف هذا الخطاب جمهورًا معينًا، لكنه يثير انقسامًا حادًا داخل الرأي العام العربي.
تصريحات محللين مثل بودية، التي أثارت جدلاً واسعًا في لبنان مع دعوات قضائية، ساهمت في تعزيز الجدل وبالتالي الانتشار
ومع اندلاع الحرب بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل في فبراير 2026، نجح ما يُوصف بـ”الاختراق الإيراني” لجزء من الإعلام العربي في فرض خطاب دفاعي قوي عن السياسة الإيرانية، خاصة عبر قنوات مثل “الميادين”.
ويثير هذا النجاح تساؤلات حول الأسباب التي سمحت لسردية “الصمود الإيراني” و”الرد المشروع” بالانتشار رغم الإدانات الدولية والعربية الواسعة للهجمات على مطارات ومنشآت طاقة ومناطق سكنية في دول الخليج.
وطورت إيران وحلفاؤها (خاصة حزب الله) شبكة إعلامية متكاملة على مدى عقود، تركز على “محور المقاومة”. قناة “الميادين”، التي تُعتبر صوتًا رئيسيًا، استضافت بانتظام محللين يدافعون عن وجهة النظر الإيرانية. هذه الشبكة كانت جاهزة للعمل فور اندلاع التصعيد، مما مكنها من السيطرة السريعة على السردية في الساعات الأولى.
كما استخدمت إيران حملات “حرب معلوماتية غير متكافئة”، مع التركيز على وسائل التواصل الاجتماعي وإنتاج محتوى سريع يعتمد أحيانًا على الذكاء الاصطناعي. وأعادت توجيه جهودها السابقة لاستغلال الانقسامات السياسية، مما سمح للخطاب الدفاعي بالانتشار بين جمهور يميل إلى سردية “المظلومية” و”مواجهة الغرب وإسرائيل”.
في المقابل، واجهت الدول الخليجية صعوبة في بناء سردية موحدة مؤثرة تصل إلى الشارع العربي رغم إمكانياتها المالية.
في بداية التصعيد، ركزت بعض القنوات العربية الرسمية على الجانب الاقتصادي والأمني أو أبدت حذرًا دبلوماسيًا، مما ترك مساحة واسعة للخطاب المتحمس. كما ساهم الانقسام السياسي العربي (بين دول تندد بالهجمات الإيرانية وأخرى أو أوساط تتعاطف مع “الصمود”) في تعزيز انتشار هذا الخطاب. مراقبون يشيرون إلى أن غياب استراتيجية إعلامية خليجية طويلة الأمد لمخاطبة الرأي العام العربي ساهم في تراجع التأثير الناعم مقابل السردية الأيديولوجية الإيرانية القائمة على “المقاومة”.رابعًا: السياق العاطفي والعسكري للحرب
مع استمرار الضربات وظهور مشاهد الدمار، وجد الخطاب الذي يركز على “الكرامة” و”الرد المتوازن” صدى لدى جمهور يرى في إيران طرفًا يواجه “العدوان الخارجي”.
وساهمت تصريحات محللين مثل بودية، التي أثارت جدلاً واسعًا في لبنان مع دعوات قضائية، في تعزيز الجدل وبالتالي الانتشار.