مقاربة واشنطن بـ«الساحل».. صفحة «التعاون» وتحديات «التنافس»

وكالة أنباء حضرموت

مقاربة أمريكية جديدة تجاه دول الساحل، تتجاوز "إرث الخلافات"، وتفتح صفحة جديدة بناء على التعاون الأمني والاقتصادي وتعزيز التعاون الأمني، في ظل احتدام المنافسة الدولية على الموارد والنفوذ.

يأتي هذا التوجه في سياق إدراك متزايد داخل إدارة الرئيس دونالد ترامب، بأن المقاربات التقليدية التي ركزت على نشر الديمقراطية والحوكمة، لم تعد كافية لضمان المصالح الأمريكية في منطقة تشهد تحولات جيوسياسية متسارعة.

ووفقًا لتقديرات وتحليلات نشرها موقع "ريسبونسبل ستيت كرافت"، تشهد المرحلة الحالية نشاطًا دبلوماسيًا مكثفًا لوزارة الخارجية الأمريكية تجاه دول الساحل الثلاث: مالي وبوركينا فاسو والنيجر، وهي دول تخضع لحكم عسكري منذ موجة الانقلابات بين عامي 2020 و2023.

وتسعى واشنطن، بحسب مراقبين، إلى تجاوز إرث التوتر المرتبط بملفات الديمقراطية وحقوق الإنسان، والعودة إلى نمط من التعاون الأمني يشبه ما كان قائمًا قبل تلك الاضطرابات، لكن ضمن رؤية جديدة تعطي أولوية لتأمين سلاسل توريد المعادن الاستراتيجية التي باتت عنصرًا حاسمًا في التنافس العالمي.

لكن هذا التحول لم يكن مفاجئا، بل سبقه تمهيد دبلوماسي خلال الأشهر الماضية، تخلله لقاءات بين مسؤولين أمريكيين وقادة في دول الساحل، وصفها بعض المحللين، مثل دجيبي سو، بأنها "زيارات مقابل المعادن".

غير أن المقاربة الأمريكية الحالية تبدو أكثر عملية، مع مؤشرات على اقتراب توقيع اتفاقيات تعاون استخباراتي، لا سيما مع مالي، إلى جانب خطوات رمزية مثل رفع العقوبات عن عدد من كبار الضباط، بينهم وزير الدفاع المالي ساديو كامارا، في إشارة إلى رغبة واشنطن في إعادة فتح قنوات التواصل مع النخب الحاكمة.

يُضاف إلى ذلك عامل ضاغط يتمثل في سعي الولايات المتحدة للحصول على تعاون حكومات المنطقة في ملف الرهائن الأمريكيين المحتجزين في الساحل، وهو ما يمنح هذه الدول ورقة تفاوضية إضافية في علاقاتها مع واشنطن.

ومع ذلك، يرى محللون، أن هذه التحركات، رغم أهميتها في كسر الجمود، تظل محدودة التأثير في ظل تعقيدات المشهد الإقليمي، فالتجربة السابقة تلقي بظلال من الشك على فعالية المقاربة الأمنية الأمريكية.

وعلى مدار العقد الماضي، حافظت الولايات المتحدة على حضور قوي في الساحل من خلال برامج تدريب عسكري وتعاون استخباراتي وقواعد في مناطق نائية، إلا أن تلك الجهود لم تنجح في احتواء التمردات المسلحة أو تحقيق استقرار دائم.

بل إن المنطقة شهدت تدهورًا أمنيًا متسارعًا، ما مهد الطريق لصعود الأنظمة العسكرية التي تتبنى خطابًا سياديًا مناهضًا للتدخلات الخارجية.

تحول واضح
وفي هذا السياق، برز تحول واضح في الخطاب الأمريكي، تجسد في تعيين نيك تشيكر على رأس مكتب الشؤون الأفريقية بوزارة الخارجية، والذي يدعو إلى ما يسميه "العودة إلى أساسيات الدبلوماسية"، وهو نهج يتقاطع مع رؤية وزير الخارجية ماركو روبيو، ويركز على "الدبلوماسية التجارية" كأداة رئيسية للتأثير، خاصة في مواجهة النفوذ الصيني في القطاعات الاقتصادية الحيوية.

ويعكس هذا التوجه قناعة متزايدة بأن العديد من الدول الأفريقية لم تعد تتجاوب مع الخطاب الأمريكي التقليدي القائم على الوعظ السياسي، بل تفضل شراكات تركز على الأمن والتنمية الاقتصادية، وفق المصدر ذاته.

وفي رسالة داخلية، ذهب تشيكر إلى حد وصف أفريقيا بأنها "ساحة هامشية" ضمن أولويات الاقتصاد الاستراتيجي الأمريكي، وهو توصيف يعكس بوضوح طبيعة الحسابات الجديدة في واشنطن.

خطوات ميدانية
وميدانيًا، ترجمت هذه الرؤية إلى زيارات دبلوماسية ركزت بشكل أساسي على الأمن والاقتصاد، إذ شملت جولات تشيكر مالي ثم بوركينا فاسو، إضافة إلى لقاءات مع مسؤولين من النيجر، حيث تم التركيز على فرص التعاون في مجالات مكافحة الإرهاب وتعزيز التبادل التجاري.

ولاحظ مراقبون، أن الخطاب الأمريكي خلال هذه الزيارات تجنب إلى حد كبير إثارة قضايا الديمقراطية، مقابل تبني مفهوم "السيادة" الذي يشكل حجر الزاوية في خطاب الأنظمة العسكرية الحاكمة.

وبالنسبة لقادة الساحل، مثل أسيمي غويتا في مالي، وإبراهيم تراوري في بوركينا فاسو، وعبد الرحمن تياني في النيجر، تمثل السيادة أداة سياسية لتبرير استمرار الحكم العسكري، وإعادة التفاوض على شروط استغلال الموارد الطبيعية، بما في ذلك الذهب واليورانيوم والنفط.

ويبدو أن هذا الطرح يجد صدى نسبيًا لدى واشنطن، التي باتت أكثر استعدادًا للتعامل مع هذه الأنظمة بواقعية، حتى وإن كان ذلك على حساب أولويات سابقة.

تحديات كبيرة
مع ذلك، تواجه الاستراتيجية الأمريكية تحديات كبيرة، أبرزها التنافس الحاد مع قوى دولية وإقليمية أخرى. فروسيا ودول أخرى، عززت حضورها في الساحل، مستفيدة من الفراغ الذي خلفه تراجع النفوذ الغربي التقليدي.

وفي هذا المشهد، لا تمثل الولايات المتحدة سوى لاعب واحد ضمن مجموعة متزايدة من الفاعلين، بل وتُعتبر في بعض الأحيان شريكًا ثانويًا من الناحية الاقتصادية.

وتعكس خريطة الاستثمارات هذا الواقع؛ إذ ترتبط دول الساحل بعلاقات تجارية أعمق مع شركاء مثل الصين وفرنسا، بينما تهيمن شركات من كندا والمملكة المتحدة وأستراليا على قطاع الذهب، وتحتفظ شركات فرنسية وصينية بنفوذ كبير في قطاعات اليورانيوم والنفط.

هذا الوضع يحد من قدرة واشنطن على تحقيق اختراق اقتصادي سريع، رغم محاولاتها ربط التعاون الأمني بفرص الاستثمار.

في ضوء هذه المعطيات، يبقى التعاون الأمني المجال الأكثر قابلية للتقدم في العلاقات بين الولايات المتحدة ودول الساحل، لكنه يظل محفوفًا بعدم اليقين. فحكام المنطقة ينظرون إلى واشنطن بحذر، في ظل التغير المستمر في السياسات الأمريكية.