إيران بين استبدادَين لا شاه ولا ملا

إيران بين استبدادَين لا شاه ولا ملا

شاهد الناس على مدى عقود كيف تُصنع “شخصيات الخلاص” ثم تُسوَّق كقدرٍ تاريخي، قبل أن تتبخر وتترك خلفها خيبة جديدة. رأينا زمناً قيل فيه إن “ملايين يرون الخميني في القمر”، ثم أدرك الجميع أنها لم تكن سوى كذبة ضخمة. ثم جاء خاتمي بوهم الناس “بالتصحيح و الإصلاح”، فانتهت التجربة إلى حقيقة واحدة: لا تصحيح ولا إصلاح داخل بنية ولاية الفقيه. وبعدها تلوّن المجتمع بالأخضر مع مير حسين موسوي، وانتهى الرهان مرة أخرى إلى سقف النظام نفسه. ثم شهد الإيرانيون موجة البنفسجي مع روحاني، وصفوف التصويت الطويلة، والنتيجة ذاتها: ماكينة القمع والنهب لا تتبدل بالمساحيق

إيران بين استبدادَين لا شاه ولا ملا

حفظ الصورة
وکالة الانباء حضر موت

بقلم: أحمد مسيبلي

مستشار وزير الإعلام اليمني

 

تعلمنا التجربة في منطقتنا أن أخطر ما يصيب الشعوب ليس نقص المعلومات، بل وفرة “الأوهام المصنَّعة”. في إيران،

 

شاهد الناس على مدى عقود كيف تُصنع “شخصيات الخلاص” ثم تُسوَّق كقدرٍ تاريخي، قبل أن تتبخر وتترك خلفها خيبة جديدة. رأينا زمناً قيل فيه إن “ملايين يرون الخميني في القمر”، ثم أدرك الجميع أنها لم تكن سوى كذبة ضخمة. ثم جاء خاتمي بوهم الناس “بالتصحيح و الإصلاح”، فانتهت التجربة إلى حقيقة واحدة: لا تصحيح ولا إصلاح داخل بنية ولاية الفقيه. وبعدها تلوّن المجتمع بالأخضر مع مير حسين موسوي، وانتهى الرهان مرة أخرى إلى سقف النظام نفسه. ثم شهد الإيرانيون موجة البنفسجي مع روحاني، وصفوف التصويت الطويلة، والنتيجة ذاتها: ماكينة القمع والنهب لا تتبدل بالمساحيق

.

اليوم، يحاول البعض إعادة تدوير الوهم باسم جديد: “بهلوي”. و كأن المطلوب أن ينتقل الإيرانيون من “عمامة” إلى “تاج”، ومن استبدادٍ إلى استبداد، مع تغيير الواجهة فقط. لكن الإيرانيين الذين عايشوا القهر مرتين صاروا أذكى من أن يُعاد استدراجهم إلى العبارة القديمة: “ثقوا بالمنقذ”. لذلك يعلو شعار “لا شاه ولا ملا” بوصفه خلاصة تجربة شعبٍ رفض أن يُسرق مستقبله مرة ثالثة.

 

ومن هنا تبرز أسئلة مشروعة تُطرح على رضا بهلوي حين يقدم نفسه صوتاً متعاطفاً مع ضحايا اليوم. فالتعاطف الحقيقي لا يكون انتقائياً. هناك من يستحضر، في سياق مساءلة الإرث، قصصاً عن أطفال سقطوا برصاص أجهزة الشاه في أواخر تلك الحقبة. ويُذكر بينهم الطفل “بهروز بهروزي” (مولود أيلول/سبتمبر 1971) الذي يُقال إنه قُتل في سمنان في كانون الثاني/يناير 1979، إلى جانب طفلين آخرين في حوادث إطلاق نار مشابهة.

 

والسؤال الذي يطرحه كثيرون هنا بسيط ومباشر: “هل يعرف رضا بهلوي بهذه الوقائع؟ وهل يعترف بأن دولة الشاه، مثلها مثل دولة ولاية الفقيه، امتلكت جهازاً أمنياً لم يتردد في إطلاق النار على الناس؟”

الأهم من التاريخ هو ما بعد التاريخ: “ما الضمانة؟” فالمجتمع الذي ذاق القمع لا يريد استبدال سجنٍ بسجن. وعندما يسمع الإيرانيون تصريحات أو تهديدات من بعض المتحمسين في محيط هذا التيار عن “تصفية الخصوم” أو “حرق المعارضين بالنفط”، أو حين تتحول اللغة السياسية إلى لغة ثأر، يصبح الخوف من تكرار نموذج الدولة البوليسية خوفاً منطقياً لا دعاية مضادة

وتأتي ماكينة التضليل الإعلامي لتكمل المشهد. فبدلاً من احترام وعي الناس، تُنفخ الأرقام لإظهار زعامة “جاهزة” فوق مقاس الدعاية. من ذلك ترويج رقم “250 ألف مشارك” دعماً لبهلوي في ميونيخ. القضية ليست في رقمٍ بحد ذاته، بل في عقلية التزييف: تحويل الدعاية إلى حقيقة، ثم مطالبة الجمهور بالتسليم بها. الإيرانيون اليوم، داخل البلاد وخارجها، أثبتوا في أكثر من محطة أنهم “أكثر وعياً وهوشياراً” من أن يمنحوا شرعيةً تلقائية لمن يريد أن يعيدهم إلى زمن الشاه، أو أن يفرض عليهم “ديكتاتورية جديدة بنكهة قديمة”.

ومن موقع يمني، لا يمكنني فصل المشهد الإيراني عن تجاربه الإقليمية. فولاية الفقيه لم تصدّر إلى المنطقة تنمية ولا استقراراً، بل صدّرت الميليشيات والسلاح و”اقتصاد الحرب”. والقتل والموت والنهب والسلب والحوثي في اليمن مثال صارخ على “الأداة” التي تُستخدم لإدامة الخراب: قمع المجتمع، تجنيد الشباب، فرض الإتاوات، مصادرة السياسة، وإطالة عمر المأساة. لذلك نقول في اليمن، كما يقول الإيرانيون في وطنهم: “لا للحوثي” كما “لا شاه ولا ملا”. فالاستبداد واحد، وإن اختلفت الأسماء.

لهذا، فإن الحل ليس في حرب خارجية تُحوّل الشعوب إلى وقود، وليس في مساومات تُطيل عمر القاتل، وليس في إعادة إنتاج رموز الماضي. الحل الصحيح هو “الرهان على الشعب” وعلى “المقاومة المنظمة” القادرة على دفع التغيير من الداخل، وتقديم بديل سياسي يحمي المجتمع من الفوضى ويمنع إعادة تدوير الاستبداد، ويضمن أن دم الأطفال والضحايا لن يتحول مرة أخرى إلى مادةٍ للدعاية أو أداةٍ للابتزاز السياسي. إيران تحتاج دولة قانون ومواطنة، لا “شاه” جديداً ولا “ملا” أقدم.